في ليلة اكتمال القمر

 في ليلة اكتمال القمر،

جلست كعادتي أتأمل هذا الكون العظيم،

سرحت عيني بين النجوم والكواكب،

شعرت برهبة أمام هذا النظام الدقيق الذي لا يُخطئ،

وكأن الكون يعزف سيمفونية لا تتوقف أبدًا.


نظرت إلى القمر، مكتملًا بنوره الهادئ،

وسألته:

“كيف تعيش بسلام وسط هذا الضخم الهائل من المجرات والنجوم والكواكب؟

كيف لا تضيع وسط هذا الاتساع الذي لا حدود له؟”


فأجابني بهدوء، كما لو أن صوته ينبع من داخلي:

“أنا جزء من نظام أعظم، كل منا يعرف مكانه،

ويؤدي دوره، دون قلق، دون شك، دون صراع.

أنا لا أُحاول أن أكون أكثر مما أنا عليه،

ولا أقل مما أنا عليه.

هذا السلام الذي تراه فيَّ ينبع من قبولي بنفسي.”


ثم أضاف:

“أنظر حولك، كل شيء في الكون يتبع إيقاعًا:

الليل يعقب النهار، والمد والجزر يرقص مع القمر.

حتى الفوضى التي تراها، لها مكانها في اللوحة الكبرى.

سلامي يأتي من فهمي أنني لست وحدي،

أنا جزء من كل، وكل جزء يدعم الآخر.”


سكت لحظة، وكأنه ينتظر مني الإجابة، ثم قال:

“وأنت، يا صغيرتي،

ما الذي يشغل بالك؟ لماذا لا تعيشين بسلام كما أفعل؟”


أجبت بخجل:

“لأنني أشعر أنني صغيرة جدًا أمام هذا الكون،

أخاف أن أضيع، أن أفقد اتجاهي.”


فابتسم القمر وقال:

“ألا تفهمين؟

كونك صغيرة هو قوتك،

تمامًا كما أنا صغير مقارنة بالمجرة،

لكنني أضيء الليالي، وأوجه المد والجزر،

وألهم البشر بحضوري.”


ثم همس لي:

“السلام ليس في حجمك أو قوتك،

السلام هو في قبولك لدورك،

في ثقتك أن كل ما يحدث له غاية،

وأنك جزء من هذه اللوحة العظيمة.”


في تلك اللحظة، شعرت أنني أفهم شيئًا أعمق،

أن السلام ليس شيئًا نبحث عنه خارجنا،

بل هو انسجامنا مع أنفسنا، مع مكاننا في هذا الكون.


نظرت إلى القمر مرة أخرى وقلت:

“شكرًا لأنك أضأت لي شيئًا أكثر من الليل،

لقد أضأت لي قلبي.”

ابتسم القمر بحنو، وكأنه يعرف أن كلماته قد وصلت إلى أعماقي، ثم قال:

“تذكري دائمًا، يا ابنة الأرض،

أنك لست مجرد كيان صغير في هذا الكون الهائل،

بل أنت كونٌ بذاتك،

كل نبضة في قلبك، كل فكرة في عقلك،

هي انعكاس لهذا النظام العظيم الذي تنتمين إليه.”


ثم أضاف بصوت هادئ كضوءه الفضي:

“لا تقاومي تدفق الحياة،

لا تحاولي السيطرة على كل شيء،

فأنا لا أتحكم في مساري،

لكني أثق في النظام الذي يحملني.”


سكت لحظة، وكأنه يترك لي وقتًا للتأمل، ثم تابع:

“أنتِ أيضًا، لديكِ مسارك،

مسار مرسوم بدقة، مليء بالتجارب،

بعضها سيسعدك، وبعضها سيختبرك،

لكن في النهاية، كلها تهدف لجعلك أكثر حكمة، وأكثر سلامًا.”


شعرت بنور القمر يغمرني، وكأنه يحتضنني، ثم قال:

“في كل مرة تشعرين بالضياع، انظري إليّ.

أنا هنا لأذكّرك أن الحياة جميلة،

وأنكِ دائمًا جزء من هذا الجمال،

وأن السلام ليس في الهروب من التحديات،

بل في احتضانها بثقة، كما أحتضن ظلمة الليل.”


ابتسمتُ وقلت له:

“لقد فهمت الآن، السلام ليس في الخارج،

السلام هو في قلبي،

حين أقبل دوري، وأثق أن كل شيء يسير كما يجب.”


نظر إليّ القمر، وكأنه يوافقني، ثم قال:

“نعم، وها أنت الآن تعلمين سر الحياة،

فلا تنسيه،

ولا تنسي أن تكوني ضوءًا لنفسك ولغيرك،

كما أنا ضوء في ظلمة السماء.”


**حينها، شعرت أن الكون كله في داخلي،

هدأ قلبي، وامتلأت روحي بالسلام،

لأنني أدركت أخيرًا أنني لست صغيرة،

بل أنني جزء من لوحة عظيمة،

وأن دوري، مهما بدا بسيطًا،

هو جزء لا يتجزأ من جمال هذا الكون.”


ودعت القمر بتنهيدة امتنان،

وعرفت أنني لن أنسى هذا الحوار أبدًا،

لأنه لم يغير رؤيتي للقمر فقط،

بل غير رؤيتي لنفسي أيضًا.

تعليقات