عن طفولتي انحدث
“كيف كانت طفولتي؟”
جلست الجدة على كرسيها الهزاز، تحيط بها نظرات الأحفاد المليئة بالفضول. مدت يدها نحو كوب الشاي بجانبها، ثم توقفت، وسرحت بعيدًا كأنها تعبر الزمن.
ابتسمت بخفة، وكأن الذكريات التي طفت على سطح ذهنها أهدتها دفئًا خاصًا، وقالت:
“طفولتي كانت بسيطة، لكنها مليئة بالسحر. كنا نستيقظ على صوت العصافير، ونجري حفاة بين الحقول. ألعابنا لم تكن شاشات أو أجهزة، بل كانت حجارة صغيرة نصنع بها عوالم كبيرة، وأغصانًا خضراء نُحولها إلى سيوف وأقواس.”
توقفت للحظة، ثم أضافت بابتسامة أعمق:
“لم يكن لدينا الكثير، لكن كان لدينا كل شيء. كنا نضحك من أعماق قلوبنا، ونُبهر بأصغر التفاصيل. أتذكر كيف كنا ننتظر المطر لنركض تحته، وكيف كنا نصنع أحلامًا كبيرة تحت ضوء القمر.”
ثم نظرت إلى أحفادها بحنان وقالت:
“طفولتي علمتني أن السعادة ليست في الأشياء، بل في اللحظات، وفي قلوب من نحب. لذا، يا أحبابي، عشوا حياتكم ببساطة، وامتلئوا بالدهشة دائمًا، مثلما كنا نحن في طفولتنا.”
ساد الصمت للحظة، وكأن الأحفاد كانوا يحاولون تخيّل تلك الحياة البسيطة التي وصفتها الجدة. ثم سألت أصغرهم ببراءة:
“هل كنتِ تخافين من شيء يا جدتي؟”
ضحكت الجدة ضحكة خفيفة، وقالت:
“أوه، كنا نخاف من أشياء تبدو مضحكة الآن. كنت أخشى الظلام أحيانًا، لكنه كان يخفي لنا السماء المليئة بالنجوم. كنت أخاف من صوت الريح في الليالي العاصفة، لكنها كانت تعزف موسيقى خاصة لنا. حتى الأخطاء التي كنت أرتكبها، كنت أخشاها، لكنها علّمتني الكثير.”
وأضافت بنبرة دافئة:
“لكن أعظم خوف كان أن يمر الوقت سريعًا وألا أعيش كل لحظة كما يجب. لهذا، كنا نحاول الاستمتاع بكل شيء، اللعب، الضحك، حتى العمل في الحقول كان ممتعًا لأننا كنا نفعل كل شيء معًا.”
ثم نظرت إلى أحد أحفادها الذي كان يحدّق في هاتفه، وقالت ممازحة:
“أما أنتم، فأخشى أن تضيعوا وقتكم خلف الشاشات، ولا تروا الجمال الذي حولكم.”
ضحك الأحفاد بخجل، ووعدوها أن يركضوا تحت المطر مثلما فعلت. ابتسمت الجدة برضى وقالت:
“هذا كل ما أتمناه، أن تعيشوا ببراءة قلوب الأطفال، لأن تلك البراءة هي ما يجعل الحياة تستحق أن تُعاش.”
تعليقات
إرسال تعليق