حديث مع الشجرة الأم


اقتربت منها بخطوات مترددة، كأنني أخشى أن أرى جرحًا خلفته العاصفة الأخيرة. وقفت أمامها، تلك الشجرة التي كانت دومًا مأوىً لأحلامي وهمساتي. نظرت إليها بعينين مليئتين بالقلق، وقلت:


“أيتها الشجرة الأم، لقد قلقت عليك بعد تلك العاصفة العنيفة. ظننت أن الرياح قد كسرت أغصانك، أو أن المطر قد أغرق جذورك. لكنني الآن أراك كما تركتك، شامخة وثابتة. ما سرك؟ كيف استطعت أن تصمدي؟”


تأملتها، وكأنها تفكر قبل أن تجيب. ثم شعرت أن الريح التي مرت بين أوراقها تحمل لي رسالة، كأنها تهمس:

“يا صغيري، العواصف جزء من الحياة، هي التي تعيد تشكيلنا وتذكرنا بقوتنا. جذوري عميقة في الأرض، ترتوي من نبع لا ينضب. أغصاني تمتد للسماء، تستقبل النور حتى في أشد الظلمات. العاصفة لا تخيفني، بل تغسلني وتطهرني، تجعلني أقوى.”


وقفت أمامها بصمت، كأن كلماتها اخترقت أعماقي. أدركت أن سرها في اتصالها العميق بجذورها، وفي ثقتها بأن كل ما يمر بها يضيف إليها، لا ينتقص منها. تعلمت منها درسًا جديدًا: أن الثبات لا يعني غياب الخوف، بل هو الإيمان بأننا أقوى مما نعتقد، وأن كل عاصفة هي فرصة لننمو.


ابتسمت لها، وقلت:

“أيتها الشجرة الأم، ليتني أتعلم منك هذا السر. كيف أكون ثابتًا كالجذور، وممتدًا كالأغصان، ومتجددًا بعد كل عاصفة؟”

لكنها هذه المرة لم تجب. فقط تركتني أتأمل وأفكر، ربما لأن الجواب لم يكن فيها، بل في داخلي.

عدت إلى الشجرة مرة أخرى في اليوم التالي، وكأنني أبحث عن المزيد من حكمتها. لم يكن هناك شيء جديد على السطح؛ نفس الأوراق، نفس الظل الذي يحتضنني بهدوء، لكنني شعرت أن هناك رسالة أخرى تنتظرني بينها.


وقفت تحتها، مستندًا إلى جذعها القوي، وسألتها مجددًا:

“أيتها الشجرة الأم، كيف يمكنك تحمل العواصف دون أن تكسرك؟ كيف تصمدين بينما نحن البشر ننهار أمام أصغر هزة؟”


تسللت نسمة خفيفة بين أوراقها، وكأنها تعانقني بحنو، ثم سمعتها تهمس بصوت أعماقي:

“لست أنا وحدي من يصمد. كل شيء في الحياة لديه طريقته الخاصة للصمود. لكن الفرق يا صغيري أنني لا أقاوم العاصفة. أنا أترك الرياح تمر بي، أتمايل معها دون أن أكسر. أنا أفهم أن المقاومة القاسية هي ما يضعفنا، أما الانحناء برفق فهو ما يجعلنا نبقى.


ثم يا بني، أنا لا أعتمد فقط على أغصاني، بل على جذوري. جذوري عميقة، تمتد في الأرض بعيدًا، حيث لا يمكن لأي عاصفة أن تصل. أنا لا أنظر فقط إلى ما فوق الأرض، بل أتغذى من الداخل، من عمق التراب الذي يحتضنني. وهذا هو الدرس يا صغيري: قوتك ليست في ظاهرك، بل في داخلك.”


تأملت كلماتها طويلاً، شعرت وكأنها ليست مجرد شجرة، بل روح حكيمة تسكنها الحياة. أدركت أنني كنت أبحث عن إجابات في الخارج، بينما كان علي أن أبحث عنها في أعماقي، حيث تكمن جذوري الحقيقية.


قبل أن أغادر، رفعت رأسي نحو أغصانها وقلت:

“أيتها الشجرة الأم، سأتعلم منك أن أكون مرنًا في وجه العواصف، أن أمد جذوري في أعماق روحي، وأن أترك الرياح تمر دون أن أخاف. شكرًا لأنك لست فقط شجرة، بل معلمتي في الصبر والثبات.”


وغادرت وأنا أشعر أنني أقوى، وكأنني الآن، ولأول مرة، قد بدأت أفهم سر البقاء الحقيقي.

تعليقات