وقف بين طريقين
وقف محتارًا بين طريقين، كلٌّ منهما يمدُّ يديه كأنهما يدعوانه للمضي. لم يكن في قلبه مساحة للتراجع، فخطوة واحدة نحو أحدهما تعني إغلاق باب الآخر للأبد.
سنوات طويلة قضاها في التردد، كأن الزمان توقف عند تلك اللحظة. كلما اقترب من اختيار، عادت مخاوفه لتأسره، وصدى الأسئلة يتردد في داخله: “ماذا لو أخطأت؟ ماذا لو كان الطريق الآخر هو الأصح؟”
في أعماقه، كان يعلم أن الحياة لا تنتظر المترددين، وأن الوقوف في المنتصف لن يخفف عنه عبء القرار، بل سيزيده ثقلاً. لكن قلبه المثقل بالخيارات كان كميزان مكسور، لا يعرف كيف يميل.
مرت الأيام، وكلما تأخر، بدا وكأن الطريقين يبهتان في عينيه، وكأنهما يخبران ذلك المتردد: “إما الآن أو لا شيء.”
في لحظة مواجهة صامتة مع نفسه، أدرك أن التردد قد سرق منه عمرًا أكثر مما ينبغي. الطرق لا تنتظر، والأحلام لا تنتظر، وحتى الفرص تهرب كالريح. كان يعلم أن القرار ليس فقط اختيار طريق، بل هو اختيار حياة كاملة، مليئة بالمخاطر والاحتمالات، مليئة بالنجاحات أو حتى الخيبات.
جمع شتات أفكاره، وحاول أن يصغي إلى صوت قلبه. ذلك الصوت الذي لطالما خنقه ضجيج الخوف والندم. تساءل: “أليس التقدم في طريق خاطئ خيرٌ من البقاء في مكان لا شيء فيه؟ أليس الخطر جزءًا من معاني الحياة؟”
في تلك اللحظة، قرر أن يكسر قيد التردد. لم ينظر كثيرًا إلى الماضي أو إلى الاحتمالات، بل خطا خطوة نحو أحد الطريقين، غير مبالٍ بما ينتظره هناك. كانت الخطوة ثقيلة، لكنها كانت كفيلة بأن تحرره.
وحين بدأ بالسير، شعر وكأن حملًا هائلًا قد سقط عن كاهله. الطريق الذي اختاره لم يكن مثاليًا، لكن الخطوة الأولى منحته شعورًا بالتحرر. أدرك أن الحياة ليست عن الطريق الصحيح أو الخاطئ، بل عن الشجاعة في مواجهة ما يختاره المرء.
ربما الطريق الآخر كان أفضل، وربما لا. لكنه، لأول مرة منذ سنوات طويلة، لم يعد يهتم. كان يكفيه أنه تحرر من أسر نفسه، وأنه أخيرًا بدأ يمشي.
وهو يمضي في طريقه، بدأ يرى الحياة من منظور جديد. لم يكن الأمر كما تصوره، فالطريق لم يكن مفروشًا بالورود، لكنه أيضًا لم يكن مليئًا بالأشواك كما كان يتخيل. كان هناك مزيج من العقبات والفرص، الفرح والحزن، لكنه أدرك أن هذا هو جوهر الحياة، أن تسير دون أن تعرف النهاية، أن تخوض التجربة بكل ما فيها.
مع كل خطوة يخطوها، بدأ يشعر بشيء مختلف ينبض في داخله. كانت تلك الخطوات تبني فيه شجاعة لم يعرفها من قبل، وتصقل قلبه بحكمة لم يكن ليبلغها وهو واقف في منتصف التردد. بدأ يشعر أن الطريق، أي طريق، ليس مجرد مسار، بل هو رحلة لاكتشاف الذات.
مرت الأيام، ومع كل عقبة كان يتجاوزها، كان ينظر إلى الوراء ليبتسم لنفسه. تذكر لحظات التردد الطويلة وكيف كان يرى القرار نهاية العالم. لكنه الآن يعلم أن القرار كان بداية عالم جديد. عالم صنعه بيديه، بخطواته، وبإيمانه بأنه، مهما كانت النتيجة، هو قادر على المواجهة.
وفي إحدى الليالي، وهو يجلس على صخرة عند حافة الطريق، تأمل النجوم وتحدث إلى نفسه بهدوء:
“ربما لم أكن أعرف أي طريق أختار، لكنني الآن أعرف شيئًا أهم… أنني أنا الذي أُعطي المعنى للطريق، أنا الذي أصنع قصتي.”
عاد إلى السير، لكنه هذه المرة لم يعد يهتم بنهاية الطريق. كان يستمتع بكل لحظة فيه، بكل حجر يتجاوزه، وبكل شروق شمس يرافقه. أدرك أن الحياة ليست في الوجهة، بل في الرحلة نفسها.
تعليقات
إرسال تعليق