مررتُ بعينيَّ بين عشرات الصور الفيروزيّة للشواطئ، فتعلّقت روحي بذلك المشهد الذي يمزج بين انعكاس السماء وصفاء البحر، واستحضرتُ في خاطري نسماتٍ بحريةٍ منعشة تتخلّلها رائحة الملح والياسمين. واظبتُ على التصفّح بشغفٍ عسى أن يقودني إلى مكانٍ يبعث فيَّ الحماس ويكسر روتين الأيام. كنتُ على مشارف اختيار وجهتي، حين جذبتني صور الجبال الشاهقة؛ جبالٌ تعانق السحاب كما لو كانت تطارد سرًّا من أسرار السماء، تحفّها رياحٌ باردة تحمل نفحاتٍ من الحرية.


عادت إلى ذاكرتي رحلة قديمة إلى تلك المنطقة الجبلية؛ أستعيد نبضات الحماس التي تدفقت في عروقي آنذاك، واندفاعي إلى المرتفعات الوعرة متحدّيةً تعب الجسد وصعوبات الطريق. كان المرشد السياحي يحذّرنا باستمرار من مغامرةٍ جانبية، لكنّ الفضول تغلّب عليَّ، فانفصلتُ عن المجموعة واتّجهتُ صوب دهليزٍ غامضٍ لم يكن يومًا في المسار المحدَّد. هناك استقبلني ظلامٌ يتجلّى في هيئةٍ صامتة، كأنّه يعزف سمفونيّة خفيّة ينشرها بين الجدران الحجرية.


تسلّلتُ بحذر، ولمستُ الجدران الباردة علّني أستشف طريقًا وسط ذلك الديجور. فجأةً، تراءى لي ضوءٌ خافتٌ يطلّ من خلف صخرةٍ عملاقة. تقدّمتُ أتحسّس المشهد، لأجدني في حضرة كائنٍ هائلٍ يفوقني طولًا بأضعاف، عملاقٌ يجثو وكأنّه حارسٌ لمملكةٍ مخفية. حدّقتُ فيه بخوفٍ ودهشة، فرأيته يستيقظُ من سكونه محاولًا الإمساك بي، فارتعدت أنفاسي وفررتُ كمن يتخبطُ في حلمٍ يجرّه إلى الهاوية. كنتُ أجري على غير هدى، وفي كلّ خطوةٍ أتعثر بصخرةٍ أو حجرةٍ كادت تطيح بي إلى المجهول.


تضخّمت جلبة خطاه خلفي، وضاق الفضاء بي في لحظةٍ شعرتُ فيها أنّ الخوف يشلّني تمامًا. وبينما كانت الرهبة تتملك جوارحي، استيقظتُ فجأةً لأجد نفسي على سريري، يتسرّب إليَّ ضوء شمسٍ لطيفٍ عبر نافذتي، يعيدني إلى أمان غرفتي وترتيبها المعتاد. تأمّلتُ المكان بامتنان، وحمدتُ الله أنّ ذلك العملاق لم يكن سوى كابوسٍ أفلتُّ منه في اللحظة الأخيرة.


أغمضتُ عينيّ مرةً أخرى وابتسمت. تأخذنا الأحلامُ إلى عوالم شاسعة نعيشها بعين الخيال، فتُوقظ فينا مزيجًا من الرهبة والشوق إلى اكتشاف المجهول. إنّها لحظاتٌ خاطفة قد تزرع في أرواحنا بذور التحدّي، فنعود أكثر جرأةً ورغبةً في اقتحام أبوابٍ لم نطرقها من قبل.


لم أستطع أن أعاود النوم. ظلّت تفاصيل الحلم حيّةً في ذهني، تشدّني مجدّدًا إلى ظلام الكهف وضيق أرجائه، إلى عينيّ العملاق المتّقدتين اللتين جمّدتا الدم في عروقي. كان المشهد حقيقيًّا إلى درجةٍ أخافني، لكنّه أيضًا كان يُنادي في داخلي جانبًا محبًّا للمغامرة. تساءلتُ عن سرّ تلك المنطقة الجبلية ولماذا تظلّ حتى اليوم عالقةً في ذاكرتي. أيكون جمالها الأخّاذ؟ أم ذلك الشعور بالنشوة حين تلامس قدماك قمةً تعاندك في البداية وتستهلك منك كلّ طاقتك؟


جلستُ على حافة السرير وأخذتُ أفكّر: هل كان قراري بدخول الكهف المحظور بمحض فضولٍ عابر، أم أنّ في داخلي شغفًا لا يهدأ للسير وراء كلّ ما يخفيه الطريق؟ ربّما تعكس الأحلام كثيرًا من رغباتنا الدفينة ومخاوفنا التي نتظاهر بتجاهلها. كانت تلك الأفكار تتصارع في عقلي فيما شمس الصباح تمدّ خيوطها لتوقظ المدينة.


بدأتُ أقارن صخب الحياة من حولي بالهدوء الغامض الذي يلفّ الجبال. هناك، حيث تنبض الأرض بمعنى مختلف، يمكن للإنسان أن يكتشف نفسه في ذات اللحظة التي يكتشف فيها الطبيعة. كثيرون يخشون المجهول، بينما يسكن في داخلي نداءٌ خفيٌّ يحرّضني على المضيّ قدمًا نحو كلّ ما لم أعهده بعد. وما العملاق في الحلم إلا رمزٌ لمخاوفي، يواجهني بها، ويستفزّني لأختبر حدودي.


مع تزايد تلك الخواطر، امتدّت يدي إلى هاتفي مرّةً أخرى. تصفّحتُ إعلاناتٍ لشواطئ ذات رمالٍ ذهبية، ثم انتقلتُ إلى صورٍ لمناظر خضراء تتدرّج صعودًا نحو القمم. وما إن رأيتُ المسارات الجبلية حتى ارتجف قلبي حماسًا. كان ذلك تذكيرًا من روحي بأن عملاق الأمس مجرّد إنذارٍ بأهمية المواجهة، وتشويقٍ ينبع من رغبتي الأصيلة بالمغامرة.


بدت لي تلك الجبال الآن أشبه بنداءٍ يصعب تجاهله. ليس لأنّني أهوى تحدّي الخوف وحسب، بل لأنّ في كلّ صعودٍ أملًا جديدًا، وفي كلّ مغامرةٍ ميلادًا لحكايةٍ أخرى. إن بقي من أيام إجازتي ما يسمح بالمزيد من التخطيط، فإنّ قراري قد حُسم. سأتوجّه ثانيةً إلى حيث رأيتُ العملاق، علّني أختبر قوةً لم أكن أدركها داخلي، وأروي ظمأ روحي لاكتشاف أسرارٍ غابت عن عيني.


هكذا، وسط هدوء الصباح وازدحام الأفكار، أدركتُ أنّ الحلم وإن كان كابوسًا، قد قادني إلى حقيقةٍ أبعد: إنّنا بحاجة إلى مواجهة مخاوفنا كي نرى بوضوح مدى قدرتنا على التغلّب عليها. وما بين الكهف المظلم والواقع المنير، سأمضي إلى تلك البقاع البعيدة واضعةً نصب عينيّ يقينًا بأنّ في نهاية كلّ ظلام، ضوءًا يتسرّب بابتسامةٍ ينبت معها الأمل.

تعليقات