هل يحق لي البكاء؟


هل يحق لي أن أترك دموعي تتساقط كالمطر في ليلٍ بلا قمر،

حين يصبح الألم أكبر من صمتي، وحين أشعر أنني لا أملك سوى هذا البكاء؟


هل يحق لي أن أفتح نوافذ حزني،

وأترك الريح تعبث بأوراق قلبي المتناثرة،

حين تنكسر كل أجزائي ولا أجد من يرممها سوى تلك الدموع؟


هل يحق لي أن أبكي بصوتٍ خافت،

أن أفرّ إلى حضن دموعي لأخبرها بكل ما أخفيته عن العالم؟

أن أقول لها: “خذي عني بعضاً من هذا الثقل، فأنا لا أستطيع حمله أكثر.”


البكاء ليس ضعفاً، بل هو لغة الروح عندما تعجز الكلمات.

هو رسالة صادقة إلى نفسي، تقول لي: “أنا هنا معك، أنا أفهمك، وأنا أسمح لك بالانهيار لتنهضي من جديد.”


نعم، يحق لي البكاء…

حين أحتاج أن أكون إنساناً بلا أقنعة،

حين أريد أن أتنفس وسط هذا الألم الذي يخنقني.


يحق لي أن أبكي لأغسل قلبي، لأعيد ترتيب مشاعري،

لأمنح نفسي فرصة جديدة للنهوض.

فالدموع ليست سوى ضوء صغير ينير لي طريق العودة إلى ذاتي.

نعم، يحق لي البكاء…


حين تعجز الكلمات عن أن تكون عزاء،

حين يخنقني الوجع ويجعلني غريبة عن نفسي،

حين تتشقق جدران قلبي من ثقل ما أحمله.


يحق لي أن أنحني للحظة،

أن أترك دموعي تنساب بحرية،

كأنها طوفان يغسل ما تراكم في روحي من أوجاع.

يحق لي أن أضعف، أن أستسلم لوهلة،

لأني أعلم أن البكاء ليس نهاية،

بل بداية جديدة، ضوء خافت في نهاية النفق.


في تلك اللحظات، أجد في البكاء رفيقاً صامتاً،

يحتضن ألمي دون حكم،

يُخرج ما عجزتُ عن قوله حتى لنفسي.

أبكي لأنني بشر، لأن في داخلي إنساناً يحتاج أن يفرغ ما امتلأ به.


البكاء لا يجعلني أقل قوة،

بل يعيد إليّ التوازن، يجعلني أتنفس من جديد.

كل دمعة تنساب تحمل معها ثقل الألم،

وتترك خلفها مساحة فارغة،

مساحة لأمل قد يأتي، لحياة تنتظرني أن أعود.


نعم، سأبكي…

ليس ضعفاً، بل لأنني أُحب نفسي بما يكفي لأسمح لها أن تتألم.

ولأني أؤمن أن بعد البكاء،

تولد راحة تشبه الشروق بعد ليل طويل.سأبكي… نعم، سأبكي…


لأمنح نفسي حرية الهروب من أقفاص الصمت،

لأترك الأحزان تنهمر مثل غيمة ثقيلة لا تقوى على حمل المطر أكثر.

سأبكي لأن البكاء ليس استسلاماً، بل إعلاناً أنني إنسانة،

أن في داخلي شعوراً حقيقياً يحتاج أن يخرج للنور.


سأبكي حتى أسمع صوتي الخاص،

صوت الروح التي اختنقت تحت وطأة التوقعات والألم المكتوم.

سأبكي لأطهر داخلي من كل ما علق به،

من خيبات لم أستطع نسيانها، ومن أحلام رحلت دون أن تتحقق.


وفي كل دمعة، أجد سلاماً، كأنها تأخذ معها حزناً عالقاً،

كأنها تربت على كتفي، تخبرني أنني لست وحدي في هذا العالم.

البكاء هو الحِمل الذي يُرفع عن روحي،

هو الدفء الذي يمنحه لي قلبي عندما أشعر بالبرد في داخلي.


سأبكي لأن البكاء طريق العودة…

عودة إلى نفسي التي أنهكها التجاهل والهروب.

سأبكي لأعود قوية، أكثر قرباً من حقيقتي،

لأقف من جديد على أرض ثابتة.


وفي نهاية البكاء، عندما يجف الدمع،

ستشرق داخلي شمس صغيرة،

شمس تخبرني أنني تجاوزت عاصفة أخرى،

وأنني مهما انكسرت، سأعود لأكون أقوى.


نعم،  يحق لي… ليس لأنني ضعيفة، بل لأنني أحب نفسي بما يكفي لأعطيها حقها في التعبير، في الانهيار، وفي النهوض مجدداً.

تعليقات