تركتني ورحلتِ دون وداع
تركتني ورحلتِ دون وداع…
كم هو مؤلم أن أستيقظ كل يوم على غيابك، أن أفتقد دفء صوتك الذي كان يحتويني حتى في أشد لحظاتي ضعفًا. لقد كان بيننا شيء أكبر من الكلمات، أعمق من الوصف، وها أنتِ تتركينني وسط هذا الفراغ الهائل.
لماذا؟
لماذا لم تخبريني أن الطبيب منحكِ تلك الأيام القليلة كمهلة أخيرة؟ هل خشيتِ أن أثقل عليكِ بحزني؟ أم كنتِ تريدين أن تحميني من ألم الترقب؟ لكن ألم تعلمي أن حرماني من وداعك كان أشد؟
كم تمنيت لو كنت بجانبك في أيامك الأخيرة، أشاركك لحظاتك، أحمل عنك بعضًا من هذا العبء الثقيل. كنت سأمسك بيدك، أواسيكِ كما كنتِ تفعلين معي دائمًا. كنت سأكون لك سندًا، كما كنتِ لي مصدر قوة ودفء.
الآن، أقف أمام هذا الواقع الجديد، أشعر وكأنني تائه في دوامة من الحزن والندم. ولكني أعلم أنكِ كنتِ تريدين أن أعيش، أن أستمر. لذلك، سأحاول… سأحاول أن أحوّل هذا الألم إلى ذكرى مضيئة، إلى امتنان لكل لحظة قضيتها معك.
سأحدثكِ كما كنت أفعل دائمًا، سأحمل في قلبي كل وصاياك، وسأجعل من غيابك حافزًا لي لأكون أقوى. لأنني أعلم أنكِ، رغم رحيلك، لا تزالين معي… في روحي، في قلبي، وفي كل خطوة أخطوها.
أعلم أنكِ لم ترحلي حقًا… فقد تركتِ بصمتكِ في كل زاوية من حياتي. صوتكِ لا يزال يهمس في أذني، ينصحني ويواسيني. حتى غيابك يحمل حضورًا طاغيًا، كأنكِ تراقبينني من بعيد، تبتسمين حينما أستجمع قواي، وتمنحينني دفعة حينما أتعثر.
أحيانًا، أجد نفسي أتحدث إليكِ في صمت، أسرد لك تفاصيل يومي كما كنت أفعل من قبل. أبحث عن ردودك في عمق ذاكرتي، وأستعيد ضحكاتنا وأحاديثنا الطويلة. تلك اللحظات التي كنت فيها ملاذي الآمن، واليد التي تنتشلني من ظلام حزني.
لكن مع ذلك، لا أنكر الألم. هو هنا، يجلس معي، يرافقني كظل ثقيل. تعلمت أن لا أهرب منه، بل أحتويه وأقبله كجزء من رحلتي. لأن هذا الألم هو شهادة على حب عظيم، على علاقة لا يمكن للزمان أو الفقد أن يمحوهما.
سأحتفظ بكل شيء جميل جمعنا: الكلمات، النظرات، وحتى الصمت الذي كان يملأ فراغات المسافات بيننا. سأحمل إرثكِ في قلبي، وأجعله نورًا يضيء طريقي. فأنتِ لم تكوني مجرد شخص في حياتي، بل كنتِ الحياة ذاتها، بكل ما تحمل من حب وعمق وأمان.
الآن، سأعيش كما كنتِ تتمنين لي: بوعي، بشغف، وبإيمان بأنكِ دائمًا قريبة. سأكون لك الامتداد، الصدى الذي يستمر حتى بعد رحيلك. لأن الحب الذي زرعتِه في داخلي لا يموت، بل ينمو، يكبر، ويعيدني إليكِ في كل لحظة تأمل وامتنان.
تعليقات
إرسال تعليق