حوار مع الجبل
اخذت فنجان قهوتي وانزويت في ركن هادى امام ذلك الجبل الهائل وسالته يا اروعك وما اعظمك وما اكبر قلبك كم تحملت من وداع المحبين ودموع المشتاقين وفراق الحبيب ومازلت صامد
أجابني الجبل بصوت عميق كأنما ينطق عن عمرٍ طويل:
“أنا هنا منذ الأزل، أراقب الحياة تتعاقب، أستمع لأنين الراحلين وصرخات الولادة الجديدة. دموعهم تسقي تربتي، وأحلامهم تحلق حول قممي. تعلمت أن القوة ليست في الصمود وحده، بل في احتواء الضعف، في قبول الحزن كما الفرح، والرحيل كما اللقاء.
كل من جلس أمامي، حمل معه قصة، وأودعني أسراره. لكنني لم أحنِ رأسي يوماً، لأني أعرف أن كل فراق يحمل في طياته وعداً بلقاء، وكل دمعة تمهد لابتسامة.
فما بالك أنت؟ ما الذي أتى بك إليّ؟ وما الذي تريد أن تخبره لنفسك من خلالي؟”
شعرت بصمته الثقيل وكأنه يطلب مني أن أبحث عن إجابة، أن أواجه حقيقتي كما واجه هو الزمن.
أخذت نفسًا عميقًا، وأجبت الجبل بصوت خافت، كأنني أخاطب نفسي:
“جئت إليك هاربًا من ضجيج العالم، باحثًا عن سكينة أجدها في صمتك. في حضرة عظمتك، أشعر بصغر همومي، وكأنها حبات رمل تتلاشى مع الرياح. جئت لأتعلم منك كيف أحتوي ضعفي، كيف أقف بثبات أمام عواصف الحياة، وكيف أُبقي قلبي مفتوحًا رغم كل الجراح.
أخبرني يا جبل، كيف تصمد وأنت تشهد كل هذه الأحزان؟ ألا يرهقك ثقل قصص البشر؟”
ابتسم الجبل في هدوء، وكأن صمته يحمل حكمة لا تحتاج إلى كلمات، ثم قال:
“الصمود ليس في تجاهل الأحزان، بل في تقبلها. كل دمعة تركت أثرًا في صخوري، كل قصة حفرت أخاديد في كياني، لكنها لم تكسرني. بل على العكس، جعلتني أعمق وأغنى. أفهم أن الحزن جزء من نسيج الحياة، وأن الجمال يكمن في استمرارية التجربة، في تعاقب الفصول، وفي التغيير الذي يترك بصماته علينا.
تعلم مني ألا تخشى الانكسار، فالانكسار هو بداية التشكّل الجديد. وكما يتجدد الليل والنهار، ستجد نفسك تتجدد مع كل تجربة، مهما كانت مؤلمة.”
صمت الجبل من جديد، لكن صمته كان مليئًا بالإجابات. شعرت حينها أنني لم أكن بحاجة إلى المزيد من الكلمات، فقد أضاء حديثه زوايا خفية في داخلي.
جلستي أمام الجبل، أشعر أنني في حضرة حكيم أزلي، يروي لي أسرار الكون بصمته المهيب. تأملت تضاريسه التي تحكي عن عمر طويل من الصمود والتجدد، وقلت له:
“أنت تقول إن الحزن جزء من نسيج الحياة، لكنني أحيانًا أجد نفسي أهرب منه، أخشى أن أواجهه أو أغرق فيه. كيف يمكنني أن أتعلم احتواءه دون أن أفقد توازني؟”
تردد الصدى بين جنبات الجبل قبل أن يجيب بصوت هادئ، كأنه ينبع من أعماق الأرض:
“الخوف من الحزن هو ما يجعله يسيطر عليك. تعلم أن الحزن ليس عدوًا، بل رسول يحمل لك دروسًا عن ذاتك. عندما يتسرب الحزن إلى قلبك، استقبله كما تستقبل ضيفًا عزيزًا. استمع لما يريد قوله، ولا تحاول طرده أو دفنه. لأن كل شعور مكبوت يعود في هيئة أثقل، أما المشاعر التي نسمح لها بالمرور، فإنها تجد طريقها إلى الزوال، تاركة خلفها نقاءً وتجددًا.
ألم تلاحظ أن السماء تمطر بغزارة قبل أن تصفو؟ هكذا نحن البشر. نحن بحاجة إلى أن نبكي، أن نحزن، أن نعترف بآلامنا لنفسح المجال للنور من جديد.”
سكت الجبل للحظة، ثم تابع:
“لكن لا تجعل الحزن يطيل مقامه في قلبك. كما لا يدوم الليل، لا ينبغي للحزن أن يطول. بعد أن تعيشه وتتعلم منه، افتح النوافذ ليدخل ضوء الفجر. تذكر أن الحياة تدور في دورات، وأن كل نهاية تحمل بذور بداية جديدة.”
شعرت بكلماته تهزني من الداخل، وكأنني أستيقظ على حقيقة كنت أتجاهلها. قلت له:
“لكنني أخشى أن أضعف، أن أفقد نفسي وسط الألم.”
ابتسم الجبل وكأن ابتسامته تعكس حكمة العصور، وقال:
“الضعف ليس عيبًا، بل هو جزء من إنسانيتك. القوة الحقيقية ليست في ألا تشعر بالضعف، بل في أن تقبله وتنهض بعده. انظر إلى الأشجار التي تنحني أمام الرياح العاتية. هل تظن أن انحناءها ضعف؟ لا، بل هو حكمتها في البقاء. تعلم منها كيف تنحني أمام العواصف، ثم تعود لتقف شامخًا من جديد.
وإن شعرت أنك على وشك الضياع، تذكر أنك لست وحدك. هناك دائمًا نور في أعماقك، يرشدك إلى الطريق. استمع لصوتك الداخلي، فهو يحمل قوة أعظم مما تتصور.”
حينها، شعرت أنني قد وجدت الإجابة التي كنت أبحث عنها. أدركت أنني لا أحتاج إلى الهروب من مشاعري، بل إلى احتضانها، والتعلم منها. وقفت أمام الجبل، شعرت بالامتنان لهذه اللحظة، لهذه الحكمة التي منحني إياها.
قلت له: “شكرًا، أيها الجبل العظيم. سأحمل كلماتك معي، وسأحاول أن أكون صامدًا ومتجددًا مثلك.”
ثم استدرت، عائدًا إلى عالمي، لكن قلبي كان أخف، وعقلي أكثر صفاءً. لم يعد الجبل مجرد صخر أمامي؛ أصبح رفيقًا، يحمل في صمته كل الإجابات.
تعليقات
إرسال تعليق