انا هنا
من أنا؟
سؤال بسيط في حروفه، ثقيل في معانيه، يطرق أبواب الروح، ويهمس في أعماقي بلطفٍ حاد.
أنا؟ أأنا جسد يزول، أم روحٌ تجول؟ أأنا مشاعر تهتزّ مع الرياح، أم فكرة ثابتة لا تذوب؟
أقف أمام مرآتي، أرى وجهي كما هو، بلا ألوان، بلا أقنعة. أبحث في ملامحي عن إجابةٍ واحدة، لكنني لا أجد إلا صمتًا يشبه صمت الكون.
ربما أنا لست ما أراه، ولست ما يراه الآخرون فيّ. أنا لست المسمّيات، لست الأدوار، لست تلك الأحلام التي عاشت وماتت في قلبي.
في أعماقي، أشعر وكأنني رحلة.
رحلة لا تبحث عن وجهة، بل عن معنى.
تذكرت كلمات سقراط: “اعرف نفسك”. لكن، كيف أعرفني؟ أأنا طفلة ما زالت تبحث عن الأمان؟ أم امرأة وجدت في الفقدان معنى الحياة؟
علمتني الفلسفة أنني سؤالٌ مستمر.
علّمني علم النفس أنني كائنٌ مزيجٌ من الظل والنور.
أما الحياة، فقد علّمتني أنني لست ثابتة؛ أنا أشبه البحر، تتبدل أمواجه مع الريح، لكنه في عمقه يبقى هو ذاته.
ربما “من أنا” ليست إجابة أبحث عنها، بل شعور أعيشه.
أنا تلك اللحظة التي أبتسم فيها رغم الألم،
أنا تلك الذكرى التي تنبض بالحنين،
أنا الآن، كما أنا.
وفي النهاية، هل حقًا أحتاج لإجابة؟
أم يكفي أن أكون هذا السؤال الذي يرافقني، يذكرني أن الحياة ليست إلا رحلة لاكتشاف الذات؟
ربما… أنا كل ما أعيشه، وكل ما أسمح له أن يكون.
وربما… أنا أكثر من ذلك.
أنا تلك المساحات الصامتة بين الكلمات،
تلك اللحظات التي أهرب فيها من الزحام إلى عزلتي،
وأعيد ترتيب فوضاي بهدوءٍ يشبه صلاة.
“من أنا؟” سؤالٌ يشبه مرآةً لا تعكس الصورة كاملة.
فكيف لمرآةٍ واحدة أن تحتوي الكون الذي في داخلي؟
كيف لها أن تعكس الحزن الذي أدفنه بابتسامة؟
والفرح الذي أخفيه خوفًا من حسد الأيام؟
أحيانًا أظن أنني الإجابة التي أرفض سماعها،
وأحيانًا أخرى أظن أنني السؤال الذي يراوغني.
لكنني أدرك أنني لست شيئًا واحدًا،
أنا حكاياتٌ ممتدة، صفحاتٌ تُطوى وأخرى تُكتب.
أنا الطفلة التي بكت خيبةً صغيرة ذات يوم،
والامرأة التي تعلّمت أن الخيبة ليست نهاية المطاف،
بل بداية طريقٍ جديد.
أنا كل الأشخاص الذين أحببتهم،
وأولئك الذين رحلوا، وتركوا أثرًا لا يُمحى.
أنا كل مرة واجهت فيها خوفي،
وكل مرة تركت فيها يدي لتمسك بيد روحي.
“من أنا؟” سؤالٌ يعلّمني أن لا أسعى وراء إجابة نهائية.
فأنا لست خاتمة كتابٍ، بل فصلٌ مفتوح على احتمالات الحياة.
أنا اللحظة التي أسمح فيها لنفسي أن أكون،
دون خوفٍ، دون قيد، ودون حاجةٍ إلى تفسير.
وفي النهاية، أدركت أنني قد لا أعرف من أنا تمامًا،
لكنني أعرف أنني هنا.
وهذا يكفي.
تعليقات
إرسال تعليق