حوار الصحراء

 بينما أسير وحدي في قلب الصحراء، حيث السكون يروي حكاياته، توقفت أمام مشهد غريب: جبلان يقفان متقابلين، وكأنهما في حوارٍ طويل. أكانا يتناجيان أسرار الأرض التي لا نعرفها؟ أم ربما يلوم أحدهما الآخر على شيء مضى منذ أزلٍ بعيد؟ ظللت أراقبهما، أسمع في خيالي همسًا لا يصلني، لكنه يشعرني بالرهبة.


وفيما كنت أتأمل ذلك الحوار الصامت، شدّني جبل آخر بعيد، بدا مختلفًا. على كتفيه أحمال ثقيلة من الحجارة المتناثرة، كأنها هموم السنين قد تجمعت عليه. تخيلته شخصًا صامتًا، لا يبوح، لكنه يحمل فوقه أوجاعًا عمرها أعمار. ترى، كم من الليالي مرّت وهو ثابت، يتحدى الرياح؟ كم من الأيام الطويلة واجه شمسها الحارقة، دون أن ينحني؟


اقتربت بخيالي منه أكثر، وكأنني أردت أن أطمئنه، أن أقول له إنك لست وحدك، كلنا نحمل أثقالنا، لكننا نمضي. شعرت وكأن الصحراء بأكملها تتحدث عن الصبر، عن الصمود، عن معنى الثبات وسط محن الحياة. وفي تلك اللحظة، أدركت أن الجبال ليست سوى انعكاسٍ لما نحمله في قلوبنا، صامتة لكنها مليئة بالحكايات.

اقتربت بخطواتي من ذلك الجبل المثقل بالحجارة، وكأنني أقترب من سرٍّ كبير خبأته الصحراء عن أعين العابرين. بدا الجبل شامخًا رغم أحماله، وكأنّه يصرخ بصمت: “أنا هنا، ثابتٌ رغم كل شيء.” شعرت أنّ كل حجر على كتفيه كان يحمل حكاية، وربما دمعةً منسية أو أملًا خافتًا لم يكتمل.


تخيلته إنسانًا، يرزح تحت ثقل الهموم دون أن يتذمر. ترى، هل شعر يومًا بالرغبة في أن يتخفف؟ أن يرمي حمله بعيدًا؟ أم أنه، مثل كثيرين منا، ظن أن الصمت هو الحل، والثبات هو النجاة؟


لفتني أن الجبل لم يكن مجرد كومة من الصخور، بل بدا حيًا. كانت تلك الحجارة التي تكسو كتفيه أشبه بذكريات تراكمت عبر الزمن. كل حجر يشهد على عاصفة مرت، وكل صدع على وجهه يروي قصة ألم أو درس تعلمه. وقفت أمامه طويلًا، وبدأت أتساءل: أليس هذا ما نفعله نحن أيضًا؟ نحمل أعباءنا في صمت، نظهر قوة قد تكون أكبر من طاقتنا، فقط لأن العالم يتوقع ذلك منا؟


وربما، فكرت، أن هذا الجبل قد اختار أن يكون رمزًا للصبر. ربما يعرف أن تلك الأحجار، مهما بدت ثقيلة، هي التي تعطيه هيبته وقوته. فالجبل بلا حجارة ليس سوى كومة تراب، تمامًا كما أن الإنسان بلا تجاربه ليس سوى صفحة فارغة.


وفي تلك اللحظة، شعرت بدفء يملأ قلبي، وكأن الجبل نفسه كان يهمس لي: “لا بأس أن تحمل أثقالك، فكلما ثقلت، ازدادت قيمتك. لا تخف من الهموم، فهي التي تشكّلك، وهي التي تجعل منك ما أنت عليه.”


عدت أنظر إلى الجبلين المتقابلين، وكأنهما الآن يشاركان هذا الجبل الثالث حكايتهما. ربما كانا يهمسان له: “أنت قوي، لكن لا تخف من أن تبوح بما يثقل قلبك. حتى الجبال تحتاج أحيانًا لأن تتحدث.”


غادرت المكان وأنا أحمل تلك الصورة في قلبي. أدركت أن الجبال ليست مجرد صخور صامتة، بل دروس حية عن الصبر، والقوة، وأحيانًا، عن الحاجة للبوح. وفي أعماق الصحراء تلك، تعلمت أن الحياة ليست مجرد مسار نمشيه، بل هي حوار صامت مع كل ما حولنا، حتى تلك الجبال الصامتة التي تحمل أثقالها بشموخ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة