هل مللت
هي أحلام وأمنيات، أمنيات إنسان واحد، وربما أكثر، من بين آلاف وملايين الأشخاص، يتوقون للتحرر من قيود وأساليب ورثناها جيلاً بعد جيل. قيود عاشت معنا منذ الأجداد، منذ القدم، إلى هذه اللحظة.
فهل مللت؟ هل تعبت من شقاء الدنيا وسوء فهمك للحياة؟ هل شعرت بالرغبة في التخلي عن كل ما هو عتيق في دولاب حياتك، واستبداله بالجديد؟
هل فكرت في الحديث بلغة مختلفة عن لغتك؟ أو في السفر بعيدًا، دون أن يعلم أحد عنك شيئًا، عن وجهتك أو ماضيك؟
هل تمنيت يومًا أن تختبئ خلف قناع أو ستارة؟
هذه الرغبات تفاجئنا بين الحين والآخر، وخصوصًا عندما يقتلنا الملل. لكن الصدق يقول إنه ليس الملل وحده ما يخنقنا، بل ذلك السجن الذي يحاصر حياتنا بتفاصيلها المملة والتكرار الذي لا ينتهي.
نفكر بالرحيل… بالتحول إلى عالم آخر مختلف تمامًا عن الذي نعيش فيه.
ثيابنا القديمة، تلك التي ارتديناها طوال حياتنا، أصبحت سجناً. نفس الألوان، نفس الذوق الذي اختاروه لنا منذ الصغر. حتى لغتنا، هي سجن آخر، قيد روحنا في كلمات ومفردات محدودة، وتركناها كما هي دون أن نسمح لها بأن تنمو أو تتجدد.
حتى الحب… تحول إلى سجن.
أحببنا بنفس الطريقة التي تعلمناها، بنفس الأدوار والمفردات التي نكررها دون تغيير. لعبنا دور العاشق المفتون، وأقسمنا أن حبنا خالد، لكننا ننتقل من سجن حب قديم إلى سجن جديد دون أن نغير شيئًا في روحنا أو طريقة تعبيرنا.
فماذا يتبقى الآن؟
لا شيء سوى أن نرمي تلك الثياب القديمة، أن نخرج من دائرة التقوقع، أن ننطلق نحو العالم الواسع، نحو شواطئ الأمل والحب، حيث التحرر من القيود البالية التي أكل عليها الدهر وشرب.
لقد استهلكتنا الحياة، وأصبح الوقت قد حان لنمضي نحو البعيد. نحو مظاهر التقدم والجمال، حيث العقل يسرح في الخيال، حيث الجنون يصبح بوابة للتحرر من العبودية. السفر، الاطلاع، تغيير الأجواء… هي المقياس الحقيقي للحرية ولتجديد الفكر.
لكن الحقيقة القاسية تقول إن الحرية، في أغلب الأحيان، مجرد وهم. نتحايل على أنفسنا لنقنعها أننا أحرار، بينما نحن ما زلنا نعيش داخل سجون من صنع أيدينا. ومع ذلك، فإن الحرية التي نحلم بها هي تلك التي تدفعنا نحو المستحيل، لمواجهته، لهزيمته، ولإعادة اكتشاف أنفسنا.
في هذه اللحظة بالذات، أعلن أنني سأتحرر. سأترك كل شيء خلفي، حتى الذكريات التي تسجنني خلف أسوار الحنين. أصرخ بأعلى إرادتي:
“يا أيتها الحرية، لقد مضى من العمر أكثر مما تبقى. أنا مرهق، محاصر بسجن لا بداية له ولا نهاية. لكنني أشتاق إليك، أصبو إليك. أيتها الرائعة، أيتها الحرية، سأبحث عنك حتى أمسك بك، ولن أسمح أن تضيع مني مرة أخرى.”
تعليقات
إرسال تعليق