تعنيف طفله

 استفاقت من حلم كان كالعاصفة في رأسها، وفتحت عينيها على واقع غرفتها، على سريرها، وعلى الأثاث الذي كان يبدو مريحًا في ظاهره، ولكنه كان يذكرها بكثير من الحرمان. كانت تتأمل الأشياء من حولها، وأصوات الماضي تهمس في ذهنها، لتجلب معها كل تلك الذكريات التي لا تزال تؤلمها.


بدأت أفكارها تتسابق: “لماذا كان كل هذا التسلط؟ لماذا هذا الجبروت؟ ولماذا حُرمت من أبسط حقوقي كطفلة؟”


كانت تتذكر كيف كانت تشعر في طفولتها، دائمًا محاصرة بين جدرانٍ من القسوة والتهديدات. كيف كانت أحلامها البسيطة تُسحق قبل أن تولد. لم يكن لها الحق في اللعب كما يريد الأطفال، ولا حتى في التعبير عن نفسها. كانت كلمتها تُقمع وحقوقها تُنتهك من قبل من كان من المفترض أن يحميها ويعطيها الحب والأمان.


“ألم يكن لدي الحق في الضحك واللعب مثل الآخرين؟” تساءلت، وهي تغلق عينيها للحظة، ثم تفتحها مرة أخرى. شعرت بغصة في قلبها، كأن سنوات من الصمت والقهر دفنت في داخلها، وأصبحت الآن تطلب العدالة من الزمن.


عادت لتسترجع لحظات الضعف والهشاشة التي عاشتها، كيف كانت تُفرض عليها قرارات لا تملك فيها أي رأي، وكيف كانت تتلقى الأوامر دون أن يكون لها الحق في الاعتراض. لقد كانت مجرد أداة في يد من يملكون السلطة، حتى أضاعوا براءتها وأحلامها.


ولكن بعد لحظات من التأمل، أدركت شيئًا ما: “هل كانت تلك التجارب سببًا لما أنا عليه اليوم؟” ربما كانت تلك القيود قد صقلت شخصيتها، لكن هل كان ذلك هو الثمن الذي يجب أن تدفعه؟ لماذا تُنزع الحرية من الطفولة؟ أليست هي مرحلة التعلم والنمو، المرحلة التي يُفترض أن يكون فيها الأطفال أحرارًا في اكتشاف العالم؟


ثم بدأت تسأل نفسها، “هل بإمكاني الآن أن أعيش بحرية؟ أن أحرر نفسي من تلك القيود التي فرضها الآخرون؟” وهل يمكن للأطفال اليوم أن يعيشوا حياة أفضل مما عاشت هي؟


كل هذه الأسئلة توافدت عليها بشكل متسارع، وكأنها كانت تحمل الإجابة نفسها. نعم، بإمكانها أن تكون هي التغيير.


كانت تعرف أنها قد تأخرت كثيرًا في اكتشاف هذه الحقيقة، ولكن الأهم الآن هو أن تبدأ في منح أبنائها وأطفال العالم فرصًا لم تُعطَ لها في طفولتها. الفرصة للعب، للضحك، للتعبير عن الرغبات والأفكار، لأن الحياة ليست مجرد وجود، بل هي فرصة لتشكيل أنفسنا بالشكل الذي نريد، وأن الطفل لا يجب أن يُحرم من حقوقه مهما كانت الظروف.


فبدأت تسعى لتعويض ما فاتها، لأن كل لحظة حرمت فيها من حقوقها هي لحظة تسعى الآن لأن تمنحها للأطفال الذين تقابلهم في حياتها. “لا للجبروت، لا للقسوة، نعم للحرية، نعم للطفولة.”

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة