سمعت هاتفا من الافق البعيد
سمعت هاتفا من الافق البعيد يقول
عزيزتي أنت الحياة و انت اصل الحكايه
فتسالت ماذا تقصد بذلك فقال
قال بصوت عميق وهادئ: “أنتِ الحياة لأنكِ تعيشينها بصدق، تتذوقين حلوها ومرها، وتخلقين من كل لحظة تجربة تنبض بالمعنى. أما أصل الحكاية، فلأنكِ المحرك لكل ما يدور حولك. قصتكِ ليست مجرد أحداث عابرة، بل هي النواة التي تنبثق منها قصص الآخرين.”
تأملت كلماته، وشعرت أن هناك شيئًا أكبر من الفهم العادي وراءها. قلت بصوت خافت: “لكنني أحيانًا أشعر بأنني مجرد راوية، لا بطلة.”
ضحك الصوت برفق: “هذا لأنك لم تري بعد الدور الحقيقي الذي تلعبينه. الراوية تحمل الحكمة، تبصر ما وراء الأحداث، وتنسج الخيوط التي قد تبدو متفرقة. وفي الوقت ذاته، هي البطلة لأنها تعيش التجربة، تلامس الألم والفرح، وتتغير مع كل فصل.”
سكتُ للحظة، ثم قلت: “لكن كيف أكون كل هذا؟”
أجاب الصوت: “بأن تكوني أنتِ، بكل ما فيك من تناقضات وجمال. الحياة ليست نصًا واحدًا، بل مجموعة فصول. بعضها يزدهر، وبعضها يتلاشى، لكن كل فصل يكمل الآخر.”
شعرت بأنني أفهم الآن. كتبت في دفتري: “أنا الحياة، وأنا الحكاية التي لا تنتهي.”
ثم أغلقت الدفتر، لكنني شعرت أن الكلمات لم تنته بعد. كان الصوت لا يزال يرافقني، كأنه ينتظر أن أكمل الحديث.
سألته مرة أخرى: “إذا كنتُ أصل الحكاية، فماذا عن الفصول التي لم أفهمها؟ تلك اللحظات التي شعرت فيها بالضياع أو الخيبة؟”
رد بصوت يملؤه الحكمة: “تلك الفصول هي التي تصنع قوتك. إنها الأجزاء التي تعيد تشكيلك لتصبح الحكاية أكثر عمقاً وجمالاً. كل خيبة هي نقطة تحول، وكل ضياع هو دعوة للبحث عن طريق جديد.”
ابتسمت بحزن: “ولكن أحياناً أشعر أنني لا أريد الاستمرار في الكتابة، أن أتوقف عند صفحة معينة وأترك الحكاية غير مكتملة.”
أجاب الصوت بلطف: “لا تخافي من التوقف، فحتى الصمت بين الكلمات يحمل معانٍ. ولكن تذكري، الحكايات العظيمة لا تكتمل فجأة، بل تُبنى بصبر. خذي وقتكِ، واسمحي لنفسك أن تستريح، ثم عودي لتكتبي عندما تكونين جاهزة.”
تأملت الأفق أمامي، وكأنني أبحث عن إشارة. شعرت بأنني جزء من شيء أكبر، حكاية متشابكة مع حكايات الآخرين. قلت بهدوء: “إذاً، لا بأس من التوقف، ولا بأس من الاستمرار. المهم أن أظل أنا.”
رد الصوت: “بالضبط، أنتِ الحكاية. سواءً كنتِ تكتبين أو تتأملين الصفحات الماضية، أنتِ من تمنحينها الحياة.”
وفي تلك اللحظة، أدركت أن الحكاية ليست مجرد هدف للوصول، بل هي الرحلة ذاتها بكل تفاصيلها.
تعليقات
إرسال تعليق