أيها الجبل العظيم، احكِ لنا تجاربك عبر السنين،
أيها الجبل العظيم، احكِ لنا تجاربك عبر السنين، فأنت الشاهد الصامت على أمم مرت من هنا، على الحياة التي ولدت، والتي انتهت، وعلى كل شيء تغير وبقيت أنت ثابتًا.
ماذا رأيت؟
رأيت أقدامًا تعبرني، بعضها خفيف يحمل حلمًا، وبعضها ثقيل مثقلٌ بالهموم. رأيت أناسًا يبنون آمالهم على قممي، وأناسًا يتساقطون قبل الوصول. رأيت أجيالًا تأتي وأخرى تمضي، كل واحد منهم يترك أثرًا خفيًا بين صخوري وأوديتي.
رأيت الحب حين جلس العاشقان عند سفحي، ورأيت الفراق حين ترك أحدهم وردة ذابلة ورحل. رأيت الحرب والسيوف، والصلح والعناق. شهدت أهازيج الفرح، ودموع الوداع.
ماذا حصل؟
مرت عليّ العواصف، حاولت الرياح أن تفتتني، ولكنها لم تستطع. أرسلت السماء أمطارها الغزيرة، ظنًا أنها ستغرقني، فكنت أفتح مسارات المياه لتجري حولي. واجهت الزلازل التي حاولت أن تزلزلني، فتصدعت قليلًا، لكني لم أسقط.
أتى البشر يحفرون في أعماقي بحثًا عن كنوزي، وأحيانًا يجرحونني. لكني صبرت، لأنني أعرف أن الجرح يزول، وأنني هنا منذ البداية وسأظل إلى النهاية.
كيف تجاوزت؟
تجاوزت بالصبر، بالصمت، وبالثقة في قوتي. لم أحارب ما جاءني، بل احتويت كل شيء. الرياح جعلتني أنحت قممي، الأمطار شربت منها جذوري، والزمن صقلني حتى أصبحت كما أنا اليوم: رمزًا للصمود والقوة.
تعلمت أن كل شيء يمر، وأنه لا شيء يدوم إلا من يملك في أعماقه جذورًا عميقة. تجاوزت لأنني أعرف أنني جزء من الأرض، وأن الأرض جزء مني.
أيها البشر، تعلموا من صبري وثباتي. الحياة ستقسو عليكم، كما قست عليّ، لكنها لن تنتصر إلا إذا سمحتم لها. ابقوا مثل الجبال، صامدين، مستمدين قوتكم من أعماقكم، دائمًا تقولون للعالم: “أنا هنا، وما زلت.”
تعليقات
إرسال تعليق