حوار عن معنى التسامح
دار حديث مع بعض الصديقات وكنا نتحدث عن الشكر والامتنان و ان التسامح يكون لصالحك قبل الاخرين قالت احداهما كيف اسامح من ظلمني و كيف اغفر له اجبت نظرت إليها بابتسامة تحمل مزيجًا من التفهم والهدوء وقلت:
“التسامح ليس تنازلًا عن حقك أو تبريرًا للظلم، بل هو هدية تقدمينها لنفسك قبل أي شيء آخر. عندما تسامحين، أنتِ تخرجين نفسك من سجن المشاعر السلبية، من الغضب، ومن ثقل الكراهية. لا يعني التسامح أن تنسي ما حدث أو تثقي مجددًا بمن ظلمك، لكنه يعني أنك تختارين ألا تسمحي لما فعلوه أن يظل يثقل قلبك ويستهلك روحك.”
سكتُّ قليلاً ثم أضفت:
“التسامح ليس سهلاً، وأنا لا أدّعي ذلك. لكنه عملية تبدأ بالاعتراف بمشاعركِ وبالألم الذي سببوه لكِ، ثم اتخاذ القرار أنك لن تكوني أسيرة لهذا الألم. فكّري في الأمر كتحرر لنفسك، كإعلان أنك أقوى من أي جرح.”
ثم نظرت إليها وقلت:
“وأحيانًا، المغفرة لا تعني المواجهة أو الحديث مع من ظلمك. يمكن أن تكون صلاةً صامتة، حديثًا مع الله، أو حتى قرارًا داخليًا بأنكِ لن تدعي تلك الظلمات تظل تلاحقكِ. سامحي لأجلكِ، لأنك تستحقين أن تعيشي بسلام وحرية.”
ثم ختمت حديثي بابتسامة وقلت:
“في النهاية، التسامح ليس عنهم، بل عنكِ أنتِ. إنه اختيار للحب والسلام الداخلي بدلًا من الغضب والمرارة. وربما، مع الوقت، ستجدين أن الغفران كان أكبر هدية يمكنكِ تقديمها لنفسك.”
رأيتها تتمعن في كلماتي، وكأنها تحاول أن تجد بين الحروف المفتاح الذي يحرر قلبها من عبء الماضي. فأضفت:
“اعلمي أن التسامح رحلة، وليس لحظة واحدة. ستجدين نفسك أحيانًا تعودين للشعور بالغضب أو الألم، وهذا طبيعي. لا تحكمي على نفسك بقسوة. فقط ذكّريها أنكِ اخترتِ طريق التسامح لأنك تستحقين السلام، وليس لأن الآخر يستحق الغفران.”
ثم أكملت:
“والتسامح لا يعني أنك تسمحين لمن ظلمك أن يكرر ظلمه. بل يعني أنكِ وضعتِ حدًا للأذى وأغلقتِ الباب، لكن دون أن تتركيه مفتوحًا للحقد والكراهية. سامحي، ولكن حافظي على حدودكِ واحمي نفسكِ.”
رفعت عيني إليها، فوجدتها شاردة قليلاً، كأنما تراجع ذكرياتها. قلت لها بحنو:
“أحيانًا يكون الظلم الذي عانيناه درسًا للنضج والقوة. قد لا نرى ذلك فورًا، لكن مع الوقت نكتشف أنه جعلنا أكثر حكمة وأكثر تقديرًا لأنفسنا. التسامح هو أن تقبلي هذا الدرس وتواصلي حياتكِ بحرية دون أن تحملي أعباء لا تخصكِ.”
وختمت قائلة:
“فكّري في التسامح كإطلاق سراح نفسكِ من سجن الماضي. أنتِ تستحقين أن تكوني حرة، وأن تملئي أيامكِ بحب وسلام. اجعلي التسامح طريقًا للنور، وليس ضعفًا أو تنازلاً.”
شعرتُ حينها أن كلامي بدأ يلمس شيئًا عميقًا بداخلها، وكأن قلبها قد بدأ يتفتح ببطء على فكرة أن التسامح ليس من أجل الآخرين، بل من أجل أن تعود هي لنفسها.
تعليقات
إرسال تعليق