خاطرة: حديث مع السحب

 ‎خاطرة: حديث مع السحب


خاطرة: حديث مع السحب


أياها السحب الجميلة، ممتنة لعطائك الدائم، فأنتِ ملهمة السماء وكرم الأرض. تحملين الماء على أكتافكِ، تسيرين بهدوء بين الأزرق والرمادي، لتغدقي على الحياة نعمة لا تنتهي.


أرى من حولك من يبتهج بقدومك، مزارع ينظر للسماء بعين الأمل، وأطفال يركضون فرحًا تحت قطراتك. ولكن، هناك من يتذمر، من يشكو أن عطاياكِ تعطل سيره، أن أمطاركِ تؤخر خطواته أو تزيد من صعوبة يومه.


وأسألكِ: كيف لكِ أن تبقي في علوكِ هذا، شامخةً، رغم كل هذا التناقض؟

تبتسمين بهدوء، كأنكِ تعلمين سرًا لا ندركه. تقولين:

“أنا هنا لأؤدي دوري، لأعطي بلا حساب، لأكون جزءًا من دائرة الحياة التي لا تقف.

لا يهمني إن قُوبل عطائي بالفرح أو الشكوى، فأنا لست إلا وسيلة، ومهمتي أن أستمر.”


أيها السحب، أتعلمين؟

في كلماتكِ حكمة تملأ الروح.

تعلميننا أن الحياة ليست كاملة، وأن العطاء أحيانًا يُثقل، وأحيانًا يُفرح.

لكن العطاء، في جوهره، لا ينتظر التقدير.


علمتيني أن الجمال في أن نكون كما نحن، أن نستمر رغم كل شيء.

فمن يتذمر اليوم، قد يفرح غدًا.

ومن يرى عطاياكِ عبئًا، قد يدرك لاحقًا أنها هبة تُحيي.


شكرًا لكِ، أيتها السحب،

على درسكِ في السخاء، وعلى صبركِ الذي يروي الأرض والقلوب معًا.


حديث مع السحب


أيها السحب، أخبريني، كيف تحملين كل هذا العطاء بلا شكوى؟

كيف تسيرين في السماء خفيفة كأنكِ لا تحملين هموم العالم؟

كيف تظلين نقية، رغم ما تسمعينه من شكر أو تذمر؟


تجيبينني بصوت هادئ، مليء بالحكمة:

“أنا لا أفكر بما يُقال عني، ولا بما يظنه الناس فيني.

أنا أتحرك لأنني أعرف دوري، ولأنني جزء من نظام أعظم.

لا أنتظر أن يفهمني الجميع، ولا أتوقف عن السير بسبب من لا يحبني.

أنا أمضي لأن الحياة تمضي.”


أيتها السحب، كلماتكِ توقظ في داخلي شيئًا.

كم مرة توقفتُ لأنني خشيت النقد؟

كم مرة أخفيتُ عطائي لأنني خفت أن يُساء فهمه؟

ولكنكِ هنا، تذكرينني بأن العطاء لا يحتاج إلى تفسير،

وأن الحكمة في الاستمرار، لا في التوقف.


تقولين لي:

“في العطاء بركة لا يراها الجميع.

قد تكون أمطاري عائقًا للبعض، لكنها حياة للآخرين.

وهكذا أنتِ، لا تستهيني بما تقدمينه.

قد تزرعين بذورًا صغيرة اليوم،

لكنها ستنبت في قلوب من حولك بطريقة لم تتخيليها.”


أيتها السحب الجميلة،

علّمتني أن أكون أنا، بكل ما أحمله من حب وعطاء،

أن أتحرك كما أريد، وأؤمن أنني جزء من هذا الكون المتناغم.

علّمتني أن أستمر، أن أُعطي، أن أُحب، حتى لو لم يفهمني الجميع.


فشكراً لكِ، أيتها السحب.

في حضوركِ، تذكير دائم بأن العطاء جمال،

وأن الاستمرار رسالة،

وأن كل شيء في الحياة له معنى، حتى المطر الذي يعطل السير،

هو ذاته المطر الذي يحيي الأرض.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة