تامل في اوجاء الكون
في تاملى المعتاد صعدت الي ارجاء الكون وتجولت في الفضاء وشاهدت هناك النجوم والكواكب والمجرات حادثتها قائلة ما اروع ضيائك وما اروع عطاءك تبثي الضوء دون كلل او ملل تعطي دون طلب
… وأكملت حديثي مع النجوم والكواكب، فقلت لها:
يا من تضيئين دروب الحائرين، هل تعلمين أنكِ قدوة في الصبر والعطاء؟ لا تتوقفين عن النور، ولا تنتظرين مقابلًا. منكم نتعلم أن الحب فعل، وأن الإشراق رسالة.
ثم نظرت إلى المجرات الممتدة في عمق الكون، وتساءلت:
كيف تحتوين هذا الكم الهائل من العوالم؟ وكيف تصنعين من هذا التشتت نظامًا يذهل العقل؟ هل تخبريني سر هذا التوازن، هذا الانسجام بين الاختلافات؟
وأجابتني الرياح المارة عبر فضاء الكون بصوتها الهادئ:
“يا روح الباحثة، نحن هنا لنعلمك أن كل شيء مترابط، أن التوهج يأتي من الداخل، وأن العطاء بدون شروط هو سر السلام.”
سكتت لحظة، شعرت بصمت الكون يحتضنني، ثم أكملت حديثي:
“أيتها النجوم والكواكب، هل تدركون أنكم مرآة لنا؟ أنتم تذكروننا أن في كل واحد منا ضوء، وفي كل ظلام يمر بنا نملك القدرة على أن نصنع إشعاعنا الخاص.”
ومن هناك، من هذا المكان اللامتناهي، شعرت أن الكون كله يبتسم لي، كأنه يقول:
“نحن نراكِ، نسمعكِ، وأنتِ جزء منا. كوني كما أنتِ، ضوءًا لا ينطفئ.”
شعرت أن الكون بأسره يعانقني بكلماته الصامتة، كأنما يخبرني أنني جزء من هذا الإيقاع العجيب، هذا النبض الهادئ الذي لا يتوقف. أخذت أتنفس بعمق، وقلت:
“يا نجوم السماء، يا قناديل الكون البعيدة، علّموني كيف أظل متوهجة حتى في لحظات الانطفاء. كيف أُضيء لمن حولي دون أن أنتظر شكرًا، وكيف أُبدّد ظلامي الداخلي بنوري الخاص.”
ثم التفتُّ إلى الكواكب، وقلت لها:
“يا كواكب الرحابة، علّميني الاتزان، كيف أدور في فلكي دون أن أتصادم، كيف أحتوي تجاربي وأحلامي في انسجام مثل مداراتكِ الهادئة.”
وسمعتُ همس المجرات البعيدة وكأنها تنقل لي حكمة أزلية:
“يا ابنة الأرض، نحن لسنا سوى مرآة لما بداخلك. الضوء الذي ترينه فينا، هو انعكاس لضيائك أنتِ. العطاء الذي تشهدينه هنا، ينبع من قلبك ذاته. تعلمي أن تكوني الكون المصغر، الذي يحتوي نفسه ويمنح بلا حدود.”
شعرت بسكون يملأني، كأنما وجدتُ إجابة لأسئلتي الأبدية. أدركت أن العظمة ليست في الخارج، بل هي كامنة في الداخل، في القلب الذي ينبض حبًا، في الروح التي تعطي بلا شروط، في النفس التي تتقبل وتشرق مثل نجمة صغيرة في فضاء واسع.
ومن تلك اللحظة، وعدت نفسي أن أكون مثل النجوم، مثل الكواكب، مثل المجرات: أن أضيء، أن أحتوي، أن أعطي، وأن أعيش بانسجام مع نفسي ومع الكون. ومع الاخرين
وأنا غارقة في تأملي هذا، شعرت وكأن الكون قد فتح لي أبوابه، دعاني لأكون جزءًا من لحنه السرمدي. لم يكن حديثي مع النجوم والكواكب والمجرات مجرد حوار عابر، بل كان وعدًا متبادلًا. وعدتني أن تظل تضيء، تمنح، وتعلمني معاني السكينة والتوازن، ووعدتها أن أكون مرآة صادقة لهذا النور.
قبل أن أغادر رحلتي، همست للمجرة بصوت يملؤه الامتنان:
“شكرًا لأنكِ أظهرتِ لي أن العظمة في البساطة، وأن الحكمة في الصمت، وأن كل ذرة في الكون تحمل قصة حب، نور، وعطاء.”
شعرت حينها بطاقة دافئة تغمرني، طاقة لم تكن من الخارج فقط، بل كانت تنبع من أعماقي. أدركت أني جزء لا يتجزأ من هذا الكون، وأن رحلتي بين أرجائه لم تكن إلا رحلة داخل نفسي. عدت إلى الأرض، إلى واقعي، لكني لم أعد كما كنت. عدت محملة بضوء النجوم، باتزان الكواكب، وبحكمة المجرات.
ومنذ ذلك الحين، صرت أنظر إلى الحياة بعين جديدة. أدركت أن الكون ليس فقط حولنا، بل هو بداخلنا. وأن كل لحظة، مهما كانت بسيطة، هي فرصة لنكون نحن النجم الذي يضيء، الكوكب الذي يتوازن، والمجرة التي تحتوي.
واختممت همسي بكلمات أرسلتها للكون:
“أنا منك، وأنت مني. سنمضي معًا في تناغم، نمنح ونضيء، نعيش ونحب، كأننا لحن واحد لا ينتهي.”
تعليقات
إرسال تعليق