من غير مخدّته تغيّرت مودّته
من غير مخدّته تغيّرت مودّته
كان يضع رأسه على مخدته كل ليلة، يودعها أسراره، يسكب عليها تعبه، ويرتجي منها سكينةً تغسل أوجاعه. كانت له أمانًا صامتًا، وحضنًا لا يتذمر مهما ثقل الحمل. لكنها تغيّرت، أو ربما هو من تغيّر، فصار يبحث عن راحته ولا يجدها.
في كل زاوية من سريره، يحاول أن يستعيد دفء المخدة التي ألفها، تلك التي اعتاد أن يجد فيها ملاذه. لكن شيئًا ما لم يعد كما كان. لعلها قسوة الأيام، أو فتور القلب، أو مجرد شعور بأن الراحة التي اعتادها لم تعد تُرضيه.
في الحقيقة، لم تكن المخدة مجرد وسادة. كانت شريكةً في لياليه، رفيقةً لصمته، وحاضنةً لهمومه. واليوم، يلمسها بيدين باردتين، بروحٍ متعبة، وكأنها غريبة عنه.
لكنه يعلم في أعماقه، أن المخدة لم تتغير، بل هو الذي لم يعد كما كان. أصبح يبحث عن شيء لا يمنحه القماش ولا الحشو. يبحث عن شعورٍ كان يسكنه ذات يوم، عن أمانٍ كان يظنه دائمًا، وعن قلبٍ لم يعد ينبض بالحب كما اعتاد.
كانت المخدة شاهدةً على أحلامه، ومسرحًا لتفاصيل أيامه. هناك، في كل ليلة، كان ينسج بين طياتها أحلامًا صغيرة، وأحيانًا يدفن أوجاعًا لا يجرؤ أن يبوح بها لأحد. كانت صامتة، لكنها تفهمه. بسيطة، لكنها تمنحه أكثر مما كان يتوقع.
ومع الوقت، تغيّرت. أو هكذا خُيّل له. صار يلومها على أرقه، يحمّلها تعب روحه، وكأنها السبب. لكنه في أعماقه كان يعلم، المشكلة ليست في المخدة، بل في شيء أعمق، شيء تآكل داخله دون أن ينتبه.
أدرك أن المخدة رمزٌ للشريك الذي اعتاد وجوده. الشريك الذي كان يحتضن تعبه ويفهمه دون كلمات. ذلك الشريك الذي، مع مرور الزمن، لم يتغير، لكن العلاقة أصبحت صامتة، بلا حوار، بلا تلك الحرارة التي كانت تشعل الأيام الأولى.
لكنه تساءل مع نفسه: هل المشكلة في الشريك، أم في قلبه الذي لم يعد يستشعر الدفء ذاته؟ أهي قسوة الروتين، أم أن الإنسان ينسى مع الأيام قيمة الأشياء التي ترافقه بلا شروط؟
ربما التغيير ليس نهاية. ربما هو دعوةٌ لإعادة النظر، للبحث عن الجمال الذي أُغفل، للعودة إلى التفاصيل الصغيرة التي كانت تجعل المخدة أمانًا والشريك حياةً.
من غير مخدّته تغيّرت مودّته، لكنه يعلم أن الراحة يمكن أن تعود، إن هو أعاد إليها بعضًا من دفء قلبه الذي أضاعه في زحمة الأيام.من غير مخدّته تغيّرت مودّته، لكنه يدرك الآن أن الراحة الحقيقية ليست في المخدة، بل في القلب الذي يرقد عليها.
تعليقات
إرسال تعليق