في ليلة هادئة، جلستُ وحيدة تحت سماء مزينة بالقمر والنجوم، وأمسكت قلمي لأخط شيئًا مما يجول في خاطري. لكنه ولأول مرة، بقي ساكنًا بين أصابعي، عاجزًا عن البوح. خاطبته متسائلة: “ما بك يا صديقي؟ لماذا تخذلني اليوم؟” لكنه صمت، وكأنه يفتش بين حناياه عن كلمات ضائعة.
تركت القلم فوق دفتري المفتوح، وتوجهت نحو الشرفة، حيث السماء الممتدة كلوحة لا تنتهي. تأملت النجوم المنتثرة بعشوائية مرتبة، فشعرت بهمس القمر يخاطبني:
“هل تعلمين لماذا صمت قلمك؟”
هززت رأسي بالنفي، فقال لي:
“لأن ما تسعين لكتابته ليس حروفًا يا فتاتي، بل مشاعر تستحق أن تُعاش. أحيانًا، يكون الصمت هو اللغة التي تحتاجينها لتصغي إلى نبض روحك.”
أطلت النظر إلى القمر، وهمست: “لكن يا قمر، كيف لي أن أُخرج هذا الصمت الذي يصرخ بداخلي؟ كيف أترجم هذا الشعور؟”
ابتسم القمر في ضوءه الفضي وقال:
“الصمت يا صغيرتي، هو البداية، ليس النهاية. تأملي النجوم، ودعي السكون ينساب داخلك كنسيم الليل. حين تجدين سلامكِ الداخلي، سيعود قلمك ليكتب.”
عدت إلى غرفتي، أنظر إلى القلم المتروك فوق الدفتر. أمسكته مجددًا، وبدأت أكتب… لكن ليس ما كنت أنوي كتابته. جاءت الكلمات من أعماقي بلا ترتيب، كأن الصمت الذي سكنني قد تحول إلى حروف تلامس السماء.
كتب القلم:
“إلى تلك الروح المتعطشة للمعنى:
اعلمي أن الصمت ليس فراغًا، بل مساحة تكتشفين فيها نفسك.
كالنجوم التي تهدي الحائرين، والقمر الذي يلهم الساهرين، كوني النور في ظلمة قلبك، ودعي الكلمات تأتيك حين يحين أوانها.”
توقفت عن الكتابة، وكأن الكلمات التي انسابت ليست لي، بل رسالة حملها القلم من السماء. شعرت بأنني أستمع إلى صوتي لأول مرة منذ زمن.
نظرتُ مجددًا إلى القمر وقلت:
“شكرًا لك، لقد علّمتني أن الصمت بابٌ أطرق من خلاله أعماقي.”
ابتسم القمر، وأضاء أكثر، وكأنما يقول لي: “نوركِ بداخلكِ دائمًا، حتى إن أظلمت أيامك.”
ومنذ تلك الليلة، بات قلمي أكثر من مجرد أداة. أصبح رفيقًا يحكي ما تعجز عنه روحي، ودليلًا في رحلتي نحو ذاتي.
تعليقات
إرسال تعليق