دموع من السماء

 نظرتُ إلى السماء، وجدتُ السُحب متجمعةً كأنها أرواح تبحث عن عزاء، وكلٌ منها دموعها تتلألأ، تنساب على وجنتيها وكأنها سرٌّ تبوح به. وقفتُ هناك مشدوهةً بجمال الحزن المتسرب من قلب السماء، وسألتها:


“يا صديقاتي، ما الذي حدث؟ ما بال هذا التجمع؟ ولمَ هذه الدموع؟”


فأجابت إحداهن بصوتٍ متهدجٍ يشبه همس الرياح:

“اجتمعنا هنا لأننا نحمل أوجاع الأرض، نحن المرايا التي تعكس حزن البشر وحنينهم، نذرف دموعنا حين يعجزون عن البكاء، ونحتضن آلامهم حين لا يجدون كتفاً يستندون إليه.”


ثم أضافت أخرى، كأنها تلقي قصيدة من وجع:

“ولكن دموعنا ليست حزناً فحسب، إنها غيث، تطهيرٌ للروح، ورسالةٌ بأن حتى الأوجاع تحمل في طياتها بذور الأمل.”


ابتسمتُ رغم غصةٍ في صدري، وقلتُ:

“ليت البشر يدركون أنكم تحملون عنهم ما لا يُطاق، وأن كل قطرةٍ منكم هي وعدٌ بحياة جديدة.”


فأضاءت السُحب قليلاً، كأن السماء ابتسمت معي، وعاد الهدوء ينساب بيننا.

عندما أضأت السُحب قليلاً، شعرتُ وكأنَّ حوارنا أزال بعضًا من أعبائها الثقيلة. لكن فجأة، تحدثت سحابة أخرى، بصوت أشبه برعدٍ خافت:


“لكن يا صديقتي، أحياناً نتساءل… لماذا لا يتعلم البشر منّا؟ لماذا لا يدركون أن الألم عابر، وأن بعد كل دمعةٍ تأتي سماء صافية؟ نحن نبكي من أجلهم، ولكنهم يظلون غارقين في أوجاعهم، وكأنهم ينسون أن لكل غيمٍ عابر شمساً تنتظر.”


سكتت قليلاً، وكأنها تبحث عن الكلمات، ثم أضافت:

“نحن نُغيث الأرض، نمنح الحياة للزرع، ولكننا لا نستطيع أن نغيث قلوب البشر التي جفت من الأمل.”


تقدمت سحابة صغيرة، بدت كطفلة وسط رفيقاتها، وقالت بصوتٍ ناعم:

“لكن هناك من يفهمنا. هناك من ينظر إلى السماء ويتحدث إلينا، مثلها تماماً…” وأشارت إليّ كأنها تريد مواساتي أنا أيضاً.


شعرتُ بوخزة في صدري، وكأن كلماتها لامست وجعي العميق، فقلتُ:

“لربما نحن بحاجة إلى مزيدٍ من الصبر، مثلكم تماماً. تعلموننا أن الجمال يكمن في الانسياب، في القبول، وفي التحول من حزنٍ إلى رجاء.”


عندها بدأت السحب تتفرق ببطء، وكأنها قررت أن ترسل غيثها بعيداً، وتمنح الأرض فرصة للابتسام. بقيتُ واقفة، أنظر إليها وهي ترحل، وأشعر أنني تركت معها جزءاً من أوجاعي.


همستُ لنفسي:

“ربما نحن والسحب شركاء في الحزن، لكننا أيضاً شركاء في الأمل… وكل دمعة تحمل في طيّاتها بداية جديدة.”

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة