أين يباع النسيان؟
أين يباع النسيان؟
يا تُرى، أين يُباع هذا النسيان الذي يُريح القلب من أوجاعه؟
هل هناك سوقٌ تعرض على أرففها زجاجات صغيرة، مكتوب عليها: “خذني وسأنسيك كل شيء”؟
أم هو حلم بعيد، نتشبث به كلما أثقلت الذكريات أكتافنا؟
كم تمنيت أن أجد مكانًا أذهب إليه،
أخلع عند بابه كل ما يؤلمني،
كل ذكرى أرهقتني، كل وجه طاردني في أحلامي،
وأسأل البائع بابتسامةٍ متعبة: “أريد جرعة نسيان، لا أكثر.”
لكنني أدركت…
أن النسيان لا يُباع ولا يُشترى،
بل هو هديةٌ يمنحها الزمن لمن يملك الصبر.
إنه تسامحٌ نصنعه مع أنفسنا،
إنه قرارٌ نتخذه بأن نحيا رغم كل شيء،
أن نترك الماضي وراءنا ونمضي خفيفين، كما تطير الطيور في سماءٍ واسعة.
أدركت أن النسيان ليس هروبًا،
بل شجاعة…
شجاعة أن نواجه ذكرياتنا، ونُصافحها، ثم نودعها برفق.
فإن كنت تبحث عن النسيان،
فابحث في أعماقك، هناك فقط ستجده.
في كل مرة تغفر لنفسك، في كل مرة تختار السلام على الألم.
هناك، فقط هناك، ستعرف أن النسيان ليس شيئًا يُباع…
بل هو شيء يُخلق من حبك لذاتك.
لكن، حتى وإن أدركت أن النسيان لا يُباع،
أجد نفسي أحيانًا أتساءل…
كيف أُخلق هذا النسيان؟
كيف أطفئ تلك الحرائق الصغيرة التي تشتعل كلما تذكرت كلمة أو موقفًا أو وجهًا؟
لعل الأمر يبدأ حين نتعلم أن نحمل ذكرياتنا برفق،
لا نحاربها ولا نهرب منها، بل نحتويها كأنها طفل صغير،
نُخبرها أننا لن ننساها تمامًا،
لكننا سنمنحها مكانًا صغيرًا، بعيدًا عن مركز حياتنا.
ربما النسيان ليس في طمس الذاكرة،
بل في طمس الألم المرتبط بها.
في أن نحول الجراح إلى حكايات قديمة،
نرويها لأنفسنا دون أن تُدمع عيوننا أو ترتعش قلوبنا.
ربما النسيان هو أن نستعيد السيطرة على حاضرنا،
أن نتوقف عن حمل الماضي معنا في كل خطوة،
أن نختار، في كل صباح، أن نعيش للحظة التي نحن فيها،
لا لتلك التي كانت وانتهت.
النسيان، يا صديقي، هو فن…
فن التخلي عن ما لا يمكن تغييره،
فن احتضان ما هو قادم، دون أن تُرهقك حقائب الأمس الثقيلة.
فإن لم يكن النسيان يُباع، فهو يُصنع،
بصبرك على نفسك، برفقك على جراحك،
وبإيمانك أن الزمن، إن أمهلته،
سيكون دائمًا شريكًا في هذا العمل العظيم.
ولحينها…
لا بأس إن لم تنسَ كل شيء،
لا بأس إن حملت جزءًا صغيرًا من الذكرى،
فالحياة ليست في النسيان وحده،
بل في قدرتك على الاستمرار رغم كل ما تذكُر.
تعليقات
إرسال تعليق