همسات الجبال تحت السماء
في صمت هذا الليل، تحت بساط النجوم اللامع، شعرت أن الجبال تتناجى فيما بينها. كل قمة همست للأخرى، كأنها تحكي قصة عمرها آلاف السنين، أو ربما تتساءل عن الغد الذي لم تأتِ تفاصيله بعد.
هل تخطط الجبال لمستقبلها؟ هل تفكر كيف ستصمد أمام الرياح القادمة؟ أم أنها فقط تستمع إلى صوت الكون من حولها؟ ربما تراودها أحلام التحليق، رغم أنها مغروسة بثبات في الأرض.
تصورت أن كل صخرة فيها تحمل حكمةً من الزمان، وأن حديثها لا يُسمع إلا لمن يملك قلبًا قادرًا على الإصغاء. تراها تُذكّر بعضها بأن البقاء ليس في القوة وحدها، بل في الثبات والهدوء، كما ظلّت شامخة رغم عواصف الدهر.
وفي لحظة، شعرت أن الجبال لا تفكر في المستقبل كالبشر، بل تعيشه بحب دائم. هي هناك، صامدة، لا تتغير، لكن في داخلها أسرارٌ لا تنتهي. تعلم أن المستقبل ليس شيئًا تخطط له، بل شيئًا يأتي وهي مستعدة لاستقباله بكل ما تملك من صبر وعظمة.
تحت هذا السكون المهيب، أيقنت أن الجبال ليست مجرد أحجار، بل أرواح تعيش في سلام مع ذاتها، همساتها رسالة لنا: أن نهدأ، أن نصمد، وأن نثق بأن كل شيء في الكون يحدث في وقته المناسب.
حديث الجبال في ظلال النجوم
وكأن النجوم كانت شاهدة على هذا الحوار الخفي. تراقب بصمت، ترسل ومضاتها كإشارات إلى تلك الجبال الراسخة، كأنها تقول: “أنتم هنا منذ الأزل، ونحن هنا لنضيء لكم الطريق”.
الجبال، في هيبتها، ربما تحدثت عن الماضي، عن أول لحظة نشأت فيها، عن الأيادي التي عبرت بين شعابها، وعن الرياح التي رسمت ملامحها. لكن، هل تفكر الجبال في المستقبل كما نفعل؟ أم أنها تعيش في انسجام كامل مع الحاضر، متقبلة كل ما يأتي؟
تصورت أن الجبل الأكبر همس لجاره قائلاً:
“لا تخف من الرياح، فهي لا تهدمنا، بل تشكلنا. لا تقلق من الزمن، فهو يجعلنا أكثر جمالاً وثباتاً.”
وربما الجبل الصغير، بشموخ حديث العهد، سأل في حيرة:
“كيف نعرف ما سيأتي؟ كيف نستعد للعواصف التي قد تحملها الأيام؟”
فردت النجوم من فوقهم، بلغة خفية:
“لا تفكروا كثيراً في الغد، فأنتم جزء من هذا الكون العظيم، والكون لا يخطئ في وضعكم حيث يجب أن تكونوا.”
ومن بين تلك الحوارات، شعرت أن الجبال تعلمنا درسًا عظيمًا: لا تحتاج أن تخطط لكل شيء لتبقى شامخًا، يكفي أن تؤمن بذاتك، أن تقف بثبات، وأن تحتضن التغيرات كما تحتضنها الطبيعة.
في صمت الليل، وسط هذا الجمال الذي يروي قصصًا دون كلمات، أدركت أن الجبال ليست مجرد حجارة صامتة، بل هي حكماء الكون، تنبض بالحياة وتهمس لنا بأن المستقبل ليس شيئًا نخافه، بل رحلة يجب أن نسيرها بثقة وثبات، مثلها تمامًا.
تعليقات
إرسال تعليق