البيت المهجور
مشيتُ في الغابة، بين الأشجار المرتفعة، حيث السماء تتسلل من بين الأوراق كشذرات ضوء خجولة.
حولَتني الطيور إلى لوحةٍ حية، تطير نحوي وكأنها تحمل رسائل قديمة، ثم تعود إلى أعشاشها فوق الأغصان العالية.
خطواتي، كأنها محادثة سرية مع الأرض، قادتني إلى منزلٍ مهجور في قلب الغابة.
كان يقف هناك وحيدًا، صامتًا، ولكنه يحكي الكثير.
النوافذ مكسورة كعيني عاشق فقد الحبيبة، والجدران مغطاة بنقوش الزمن كأنها قصص لم تُحكَ بعد.
تساءلت، يا ترى، من كانوا سكان هذا المكان؟
هل كانوا عائلةً تملأ الضحكات أركان المنزل؟
أم كان مأوى لروحٍ تبحث عن سلام وسط هذه الوحدة؟
هل كانت هناك ليالٍ مضاءة بشموع الأمل هنا؟
أم أن الظلام كان رفيقهم الدائم؟
كلما نظرتُ إلى الباب الذي لم يغلق تمامًا، شعرتُ كأنه دعوة للدخول،
لكنني لم أجرؤ…
ربما لأنني خشيت أن أجد داخله صدى قصصهم عالقًا في الهواء،
أو ربما لأنني رأيت نفسي في ذلك البيت المهجور،
بقايا حكاياتٍ تنتظر من يُكملها.
اقتربتُ أكثر من المنزل المهجور، وكأن نداءًا خفيًا يجذبني إليه. كان الباب مائلاً، تتعلق به بقايا مفصلات صدئة، يئن بصمت تحت وطأة الزمن. حاولت أن أفتح الباب بحذر، فصدر منه صوت كأنه تنهيدة عميقة، وكأن المكان يرحب بي أو ربما يحذرني.
الداخل كان معتمًا رغم شعاع الشمس الذي تسلل بخجل من الشقوق الصغيرة.
الهواء ثقيل، يحمل عبق الخشب العتيق والرطوبة التي لا تخطئها الأنف.
الجدران كانت مغطاة بشقوق تبدو كأوردة الزمن، وفي الزوايا نسج العناكب خيوطها، كأنها تحاول حفظ أسرار المكان.
كل شيء هنا كان يتحدث بصوت صامت:
كرسي مكسور يستند على طاولة مهترئة،
صورة ممزقة على الأرض، ملامحها غير واضحة لكنها تخبر عن زمن مضى،
موقد صغير لا يزال يحمل أثر نارٍ خمدت منذ وقت طويل.
تساءلت أكثر، من كانوا هنا؟
هل كان هذا البيت شاهدًا على حكاية حب انتهت فجأة؟
هل غادر أهله هربًا من شيء ما؟ أم تركوه بإرادتهم دون أن ينظروا خلفهم؟
سرحتُ في خيالي، فرأيت أماً تُعد طعامًا على الموقد،
وطفلاً يجري بين الغرف، وضحكاته تصدح فتملأ الفراغ حياة.
ربما كان هناك رجلٌ يجلس عند النافذة، يقرأ كتابًا،
أو عجوزٌ تنسج ذكرياتها بخيطٍ وإبرة قرب المدفأة.
ولكن… ما الذي حدث؟
هل مرت حربٌ هنا؟ أم أن الغابة بوحشتها ابتلعتهم؟
هل كانت الأيام قاسية إلى درجة دفعتهم للتخلي عن هذا المكان الذي يبدو وكأنه كان يومًا دافئًا؟
جلستُ على عتبة الباب، أراقب الصمت من حولي،
شعرتُ كأن هذا المنزل ليس مجرد بناء، بل كائن حيّ،
يحمل ذاكرة من عاشوا فيه، يحزن لفقدهم، لكنه لا يبوح بسرهم.
قمت، ونظرت إلى الغابة الممتدة أمامي.
عصفور صغير وقف على غصن قريب، نظر إليّ كأنه يحمل رسالة.
ربما كان يقول لي إن الإجابات ليست مهمة،
وإن هذا المنزل المهجور ليس سوى انعكاس لما نتركه وراءنا نحن البشر،
ذكريات عالقة في أماكن تنتظر من يمر بها ليعيد الحياة إلى صمتها.
تعليقات
إرسال تعليق