عصفوري اختفي
كعادتي اليومية، أخرجت عصافيري من القفص لتستمتع بحريتها، لترفرف أمامي بجناحيها الصغيرين كأنها تخبرني أن الفضاء ملك لها. كنت أراقبها بابتسامة، أستمتع بحركتها العشوائية وتغريدها الذي يملأ الغرفة دفئًا وحياة. لكن فجأة، رفعت رأسي أستفقدها، لأجد أن واحدة منها اختفت عن ناظري.
بدايةً، لم أقلق. قلت ربما هي مختبئة وسط أوراق إحدى الأشجار المزروعة في غرفتي، فقد كانت تحب الاختباء هناك أحيانًا، وكأنها تسترجع غريزة البرية التي لم تعرفها. انتظرت طويلًا، ونظرت في كل زاوية، قلبت الأوراق، بحثت خلف الستائر وتحت الأثاث، لكن لم أجدها. اختفت كأنها لم تكن يومًا هنا.
لا أدري كيف حدث ذلك، كيف طارت بعيدًا دون أن ألاحظ. لا أدري إلى أين ذهبت ولا كيف استطاعت أن تغادر هذا الأمان الذي قدمته لها. شعرتُ بحزن عميق يثقل صدري، وكأن جزءًا من روحي قد رحل معها. سالت دمعة خفيفة على خدي وأنا أتساءل:
• هل كانت تبحث عن موطن آخر؟
• هل شعرت أن حريتها هنا مزيفة؟
• هل ملت من هذا المكان، من الروتين الذي فرضته عليها دون قصد؟
• هل كانت تريد أن تختبر سماءً أوسع من تلك التي بين جدران غرفتي؟
وكل “هل” كانت تجر خلفها ألف احتمال، لكني لم أجد إجابة.
ربما العصفورة لم ترد شيئًا سوى أن تتبع غريزتها، أن تذهب حيثما يوجهها قلبها الصغير، حتى لو كان ذلك القرار يعني الابتعاد عني. وربما كان خطأي أنني ظننت أن حريتها بين هذه الجدران كافية، أن هذا المكان البسيط هو كل ما تحتاجه.
لكن رغم ذلك، شعرت بالامتنان. لأنها علّمتني درسًا، ولو بطريقة موجعة: الحب الحقيقي يعني الحرية. ربما نحن البشر نميل إلى حب نقيّد به من نحب، نوفر لهم كل شيء لكننا ننسى أن الحاجز، مهما كان ذهبياً، يبقى حاجزًا.
اليوم، سأترك نافذتي مفتوحة، لعلها تعود. وإن لم تفعل، سأظل أدعو لها أن تكون سعيدة، حيثما كانت. لأنها، في لحظة ما، اختارت أن ترفرف بجناحيها وتغادر، وأنا، كإنسانة، لا أملك إلا أن أحترم هذا القرار، وأتذكر أن الحب لا يعني التملك.
تعليقات
إرسال تعليق