“حديث الشجرة”
بينما كنت أتجول في الحقل، استوقفتني تلك اللحظة التي امتزجت فيها براءة السؤال بحكمة الحياة. سمعت طفلًا صغيرًا، صوته ينساب بفضول:
“ماذا تعني لك الشجرة يا عمّ؟”
ابتسم المزارع، كما لو أن السؤال أيقظ داخله ذكريات عتيقة. رفع رأسه نحو الشجرة القريبة، ثم قال بصوت عميق:
“الشجرة؟ هي كل شيء يا بني. هي الظل في حر الصيف، والغذاء في قحط الشتاء. هي الصديق الصامت الذي لا يخذل، والجندي الصامد الذي لا يشكو. جذورها تغوص في الأرض بثبات، كأنها تقول لنا: لا تخف من العواصف إذا كنت متصلًا بجذورك. وأغصانها تمتد نحو السماء، كأنها تهمس: لا تتوقف عن الحلم مهما كانت الأرض قاسية.”
نظر الطفل بدهشة وكأنه اكتشف كنزًا، بينما أضاف المزارع بابتسامة:
“الشجرة يا صغيري، تعلمني أن العطاء لا يحتاج إلى مقابل، وأن الصبر سر القوة. إنها المعلم الأول لكل من يرغب في فهم الحياة.”
وقفت هناك أنظر إليهما، أشعر وكأن الشجرة نفسها تُصغي بفخر لهذا الحديث الذي يحمل روحها. ومن تلك اللحظة، لم تعد الشجرة بالنسبة لي مجرد شجرة، بل رمزًا لكل ما هو صادق وثابت في هذا العالم.
صمت الطفل للحظة، وكأنه يحاول استيعاب ما قاله المزارع. ثم اقترب من الشجرة، ورفع يده الصغيرة ليلمس جذعها. قال بصوت خافت مليء بالدهشة:
“وكيف تصبر الشجرة يا عمّ وهي لا تتحرك؟ ألا تشعر بالملل؟”
ضحك المزارع بلطف، وأجاب:
“يا بني، الشجرة لا تشعر بالملل لأنها تعيش مع كل لحظة كما هي. عندما تأتي الرياح، ترقص. عندما يهطل المطر، تحتفل. وعندما يمر الناس بجانبها، تمنحهم ظلها بلا تردد. إنها تعلم أن لكل موسم جماله، ولكل لحظة دورها. وهذا هو سر صبرها.”
نظر الطفل إلى الشجرة مرة أخرى، وقال بحماس:
“إذن، الشجرة تعيش الحياة كما هي، بدون أن تشكو؟”
رد المزارع:
“تمامًا. وهي تعلّمنا أن القوة الحقيقية ليست في الصراخ أو الحركة، بل في الثبات والهدوء. في أن تكون ممتنًا لما لديك، وتنتظر ما هو آتٍ بثقة ورضا.”
ثم أضاف المزارع بنبرة تأملية:
“لو تعلمنا من الشجرة، يا بني، لأصبحنا أكثر حكمة. فكل إنسان يحتاج إلى جذور عميقة في مبادئه، وإلى أغصان تمتد نحو السماء في طموحه، وإلى أوراق تسقط بهدوء عند نهاية كل مرحلة، استعدادًا لبداية جديدة.”
عاد الطفل ليجلس بجانب الشجرة، وكأنه وجد صديقًا جديدًا يفهمه دون كلمات. أما أنا، فمشيت مبتسمًا، وأدركت أن كل شجرة في هذا الحقل تحمل درسًا ينتظر من يكتشفه.
تعليقات
إرسال تعليق