حوار مع المرآة
وقفت أمام المرآة، أبحث عني، عن ذاتي التي أراها كل يوم، لكن لا أتوقف لأحدثها. كانت عينيّ تتأملان انعكاسي بصمت، ثم تجرأت وسألت:
“من أنتِ حقًا؟ هل تعرفينني كما أعرفك؟”
ابتسمت المرآة، أو هكذا شعرت، وردت بهدوء:
“أنا أنتِ، كما أنتِ الآن، بكل ما فيكِ من جمال وندوب، من قوة وضعف. أنا الصورة التي ترينها، لكني أعكس أكثر مما تظنين.”
قلت لها مترددة:
“لكنني أحيانًا لا أحب ما أراه… أحيانًا أرى فيكِ عيوبي فقط.”
ردت المرآة بلطف:
“عيوبيكِ هي قصصكِ، هي علامات طريقكِ. لا تخافي من رؤيتها، فهي جزء منكِ، لكنها ليست كل شيء. أنظري أعمق، ستجدين القوة التي نسيتها، والابتسامات التي منحتها، والدموع التي جففتها بنفسك.”
تنهدت وسألتها:
“ولكن ماذا لو أردت أن أكون أفضل؟ ماذا لو شعرت أنني لم أحقق ما أطمح إليه؟”
قالت بثقة:
“الرغبة في التحسن هي أجمل ما فيكِ. لكنها لا تعني أن ترفضي نفسكِ الآن. كوني صديقة لنفسكِ، احتضنيها كما هي، وستجدين أن الطريق نحو الأفضل يصبح أكثر وضوحًا.”
صمتُّ للحظة، ثم سألت:
“أيمكنني أن أثق بكِ دائمًا؟ أن تكوني صادقة معي؟”
قالت بحزم:
“أنا مرآتكِ، لا أزين الحقيقة، ولا أشوهها. أنا فقط أُريكِ ما تحملينه في داخلكِ. لذا، إن أردت أن تري جمالًا، ابحثي عن الجمال داخلكِ أولًا. وإن أردت أن تجدي النور، أضيئي قلبكِ.”
ابتسمت أخيرًا، وشعرت بدفء غريب يغمرني. قلت لها:
“شكرًا لأنكِ دائمًا هنا، صامتة، لكنكِ أكثر من يستمع.”
وهمست لي المرآة:
“أنا انعكاسكِ، لكن الحقيقة دائمًا بداخلكِ، فلا تنسي أن تحدثيها.”
جلستُ أمام المرآة أطول من المعتاد، كأنني أستكشف عالماً جديداً خلف انعكاسي. شعرتُ أنني لم أكن يومًا قريبة بهذا الشكل من نفسي. قلت لها بهدوء:
“ولكن ماذا عن الأيام التي أخشى فيها النظر إليكِ؟ الأيام التي أشعر فيها بالهزيمة؟”
ردّت المرآة، وكأنها تعرف كل ما بداخلي:
“حتى في تلك الأيام، أنا هنا لأذكّركِ أن الهزيمة ليست النهاية، بل استراحة محارب. أنظري إليّ، سترين في عينيكِ كل المحاولات التي لم تستسلمي فيها، وكل الانتصارات الصغيرة التي صنعتكِ كما أنتِ اليوم.”
تنفست بعمق، ثم سألتها:
“هل تظنين أنني كافية؟ أم أنني أحتاج أن أكون أكثر؟”
ابتسمت المرآة برقة وقالت:
“أنتِ كافية، وستظلين كافية. لكن لا بأس أن تسعي للأفضل، طالما أن هذا السعي ينبع من حبكِ لنفسكِ، وليس من شعور بالنقص. كمال الإنسان ليس في عدم وجود العيوب، بل في قبوله لها والعمل عليها بحب.”
نظرتُ إلى نفسي بعينين مختلفتين هذه المرة، وشعرتُ وكأنني أرى انعكاسي للمرة الأولى. قلت لها:
“ماذا لو وعدتكِ أن أكون صادقة معكِ دائمًا؟ أن أعود إليكِ كلما شعرتُ بالضياع؟”
ردّت بثقة:
“أنا هنا لأكون مرآتكِ، ليس فقط لوجهكِ، بل لروحكِ أيضًا. كلما شعرتِ بالحيرة أو الشك، انظري إليّ، لكن لا تنسي أن الإجابات دائمًا بداخلكِ، وأنا فقط أساعدكِ على رؤيتها.”
في تلك اللحظة، أدركت أن المرآة ليست مجرد سطح يعكس ملامحي، بل هي بوابة إلى حوار عميق مع نفسي. همست لها:
“شكرًا لأنكِ كنتِ دائمًا هنا، حتى عندما كنتُ أهرب منكِ. شكرًا لأنكِ صبورة، ولأنكِ مرآتي وصديقتي.”
وعندما نهضت، شعرت بخفة لم أعهدها من قبل. نظرتُ إليها مرة أخيرة قبل أن أبتعد، ورأيتُ شخصًا جديدًا… شخصًا أكثر حبًا وسلامًا مع ذاته.
تعليقات
إرسال تعليق