أمسكت المعلمة بيد تلميذها الصغير برفق، كانت يده الدافئة تستقر في راحتها كأنّها سرّ تطمئنّ إليه. نظرت إلى عينيه المتلألئتين بفضولٍ وابتسمت وهي تقول بنبرةٍ يغمرها الحنان:

“ما رأيك يا بُنيّ أن نتعلّم الرسم اليوم في الحديقة، بينما نتأمّل قطرات المطر وهي تنهمر بهدوء؟ إنّها تداعب أرواحنا، وتحكي لنا أسرارًا لا نعرفها بعد.”


لمعت عينا الطفل فجأةً، وانعكس فيهما بريق الشغف الطفوليّ الذي لا يعرف حدودًا. كان المطر في تلك اللحظات يتحوّل من مجرّد قطراتٍ تنزل من السماء، إلى عالمٍ من الدهشة والسحر. شعر الطفل بأنّ قلبه يكاد يقفز من صدره فرحًا بفكرة الرسم في الهواء الطلق، حيث تمتزج ألوان الطبيعة برائحة التراب المبلّل ويعزف المطر على أوراق الشجر ألحانًا عذبة.


رفع بصره إلى معلّمته وقد ارتسمت على شفتيه بسمةٌ ممتنّة؛ شعر أنّ كلماته قد لا تفيها حقّها، لكنّه قال ما استطاع أن يعبّر به:

“أنتِ أروع معلّمةٍ رأيتُها في حياتي!”


عندها ابتسمت المعلمة وضمّت كفّه الصغيرة بين كفّيها، كمن تريد بثّ الطمأنينة فيه وفي ذاتها أيضًا. بدا لها هذا الموقف أقرب إلى لحظةٍ سحريّة؛ طفلٌ يتوق للانطلاق في مغامرةٍ فنيّة تحت مظلّة الطبيعة، وهي تسعد بتوجيهه نحو آفاقٍ مختلفة، حيث تتحوّل القطرات إلى فرشاةٍ إضافيّة ترسم على أوراق رسمهم، وتحوّل الفضاء كلّه إلى مرسمٍ كبير.


انطلق الاثنان سويًا نحو الحديقة؛ كان الهواء ممزوجًا برائحة الزهور الرطبة ونفحاتٍ منعشةٍ من عبير المطر. اختارا مقعدًا خشبيًا تحت شجرةٍ باسقة تتدلّى أغصانها مزينةً بحبات المطر اللامعة كحبات اللؤلؤ. أخرجت المعلّمة أدوات الرسم بحذر، تُغري الطفل بألوانها الزاهية وفرشها المختلفة الأحجام. لاحظ كيف كانت تضع كلّ أداة أمامه برويّةٍ، كأنّها تهديه سرًّا جديدًا في كل مرّة.


بدأا الرسم معًا، وعلى صفحة الورق البيضاء انسكبت الألوان لتصوّر مشهدًا يكتنفه الغموض في البداية، ثم تتشكّل ملامحه شيئًا فشيئًا. كان المطر حينًا خفيفًا، وحينًا آخر يزداد كثافةً فيُحدث نقرات موسيقيّة فوق قبّعاتهم وأوراق الشجر. في كلّ قطرةٍ ينزل بها المطر، كان الطفل يشعر كأنّه يكتسب فكرة جديدة أو رؤية مختلفة عمّا حوله. كانت المعلّمة تشرح له كيف يمكن للمطر أن يلهم اللوحات، وكيف تظهر الانعكاسات المائية على الأسطح، وكيف تتحوّل التربة المبتلّة إلى درجاتٍ لونية مختلفة.


لمع في ذهن الطفل سؤالٌ غريب فقال: “هل للمطر لغةٌ خاصة يا معلمتي؟” فابتسمت بحنوٍّ وأجابت: “ربّما نعم، إنّه يهمس للنباتات لتنمو، ويروي الأرض لتثمر، يربّت على الأنهار لتجري، ويخبرنا نحن البشر بقصة التجدد والحياة. لو أصغينا جيدًا، قد نلتقط أسرار الطبيعة التي لا نزال نجهل الكثير منها.”


توقّف الطفل لحظةً، وأخذ يراقب تلك القطرات وهي تسيل على أوراق اللوحة، وتبدو كأنّها تلوّن الأشكال التي رسمها للتوّ. أحسّ بسعادةٍ غامرة لأنّه لم يكتفِ بلقاء الرسم، بل عاش حوارًا مع المطر، شعر به كرفيقٍ يشاركهم الدرس ويتسلّل برفقٍ إلى تفاصيل المشهد.


عندما أنهيا رسمهما، كانت الرسوم تشعّ بألوانٍ دافئة رغم برودة الجوّ. نظرت المعلّمة إلى لوحة طفلها بإعجاب، ورأت فيها براءة طفولته وجرأته في مزج الألوان بلا خوف. وفي لوحة المعلّمة، كان يوجد الكثير من الأفق الرحب والمطر الذي يمتزج مع الأشكال في تناغمٍ لا يعرف حدودًا.


استدار الطفل ناحيتها وقال بخجلٍ ممتلئٍ بالفخر: “هذا أجمل درس تعلمتُه… أشعر أنّي رسمتُ روحي أيضًا!” ضحكت المعلمة وقالت له وهي تمسح على شعره المبلل برفق: “وأنا يا بُنيّ، شعرتُ بأنّني عشتُ درسًا إنسانيًّا جميلًا معك، حيث نتذكّر دائمًا أنّنا كلّما اقتربنا من الطبيعة وراقبناها بروحٍ مندهشة، اتّسعت مساحات الإبداع في داخلنا.”


هكذا انتهى درس الرسم في الحديقة تحت المطر، ليبقى شاهدًا على اللحظات التي يمتزج فيها العلم بالخيال، والمطر بالرسم، والأحلام بالواقع. وفيما غادرا المكان، بانت ابتسامة الرضا على وجه الطفل، ووعد نفسه أن يبقى وفيًّا لهذا الشغف الذي أشعلته المعلمة في قلبه. أما هي، فقد شعرت بامتنانٍ كبير لتلك اللحظات النقيّة التي تتجلى فيها العلاقة بين المعلم والطالب كحكايةٍ ملأى بالصفاء والإلهام.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة