رأيت دموعًا تختبئ خلف جدران عينيها، وكأنها تخشى السقوط، تخشى أن تعلن استسلامها. ابتسامة شاحبة ارتسمت على شفتيها، لكنها لم تحمل أي حياة؛ كانت أشبه بمحاولة يائسة لإخفاء ضعفها، أو ربما لإقناع نفسها بأنها بخير.


شفاهها البيضاء الخالية من أي حيوية كانت صرخة صامتة، صرخة تعبر عن معاناة لا تُقال، عن ألم يتراكم في الداخل كجبال من الجليد. شعرت أنني أقف أمام حطام روح تعبت من الصراع، لكنها لا تزال تصرّ على أن تبقى واقفة.


كلماتي خانتني. كيف أبدأ؟ ماذا أقول لمن لا يبدو أنها تريد سماع أي شيء؟ كنت أبحث عن مدخل، عن مفتاح لكسر هذا الصمت الثقيل. حاولت أن أمد يدي إلى قلبها دون أن أجرحها، لكن خوفي من أن أخطئ جعلني أتراجع.


كان الصمت بيننا يمتلئ بكلمات غير منطوقة، بأحاديث لم تخرج للنور. شعرت أن الحوار معها لا يحتاج إلى كلمات، بل إلى صبر، إلى وجودي فقط. ربما كان يكفي أن أظل هناك بجانبها، أُريها أنني أراها، أفهم صمتها، وأشعر بثقل دموعها الحبيسة.


الصمت أحيانًا يكون لغة بحد ذاته، وأنا تعلمت في تلك اللحظة أن أحترم صمتها، وأنتظر حتى تكون مستعدة للبوح بما يثقل قلبها.

مع مرور الوقت، أدركت أن الألم أحيانًا لا يحتاج إلى إجابات، بل يحتاج إلى مساحة آمنة. مساحة تتيح للشخص أن ينهار إن أراد، أن يبكي دون أن يشعر بالخجل، أو أن يبقى صامتًا حتى يتصالح مع أوجاعه.


رحت أبحث عن وسيلة للتواصل معها، ليس بالكلمات التي تعجز أحيانًا عن التعبير، بل بالنظرات، بالإيماءات البسيطة. نظرت إليها مطولًا، عيني تقول لها: “أنا هنا… أنا أراك، وأشعر بك”.


كانت تلك اللحظات مليئة بالثقل، لكنها مليئة أيضًا بالاحتمالات. ربما هي لحظة البداية، لحظة القرار بأن تسمح لدموعها بالخروج، أو أن تفتح أبواب قلبها المغلقة. لم أكن أعلم إن كان دوري مجرد شاهد صامت أم أنه عليّ أن أبحث عن المفتاح المناسب.


لكنني فهمت شيئًا واحدًا: القلوب الجريحة تحتاج إلى الوقت. وكل ما كان بوسعي فعله هو أن أكون صديقًا صامتًا، حاضرًا دون ضغط، ومرحبًا بكل شعور تختاره هي، سواء كان الحزن أو الصمت أو حتى الهروب.


فالصمت الذي جمعنا كان صمتًا مليئًا بالكلمات غير المنطوقة، صمتًا يحمل معه ألمها وشعوري بالعجز، لكنه في الوقت ذاته كان مساحة مهيأة للأمل، لعلّها ذات يوم تُلقي بثقلها وتترك دموعها تتحرر أخيرًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة