بقيَ الطائر الصغير ملتجئًا إلى جذع الشجرة، يئنّ بصوتٍ خافتٍ تتردّد أصداؤه في فضاءٍ مشبعٍ بسكون المساء. بدا وكأنّ رفرفة أجنحته قد خانته، فاعتلت عينيه نظرة وجعٍ أو عتبٍ لا أدري. كان منقاره الصغير يفركُ ما تبقّى من عشّه المتهدّم، ولا أفهمُ إن كانت تلك الحركات اعترضًا على مصيره، أم وجعًا لا يستطيع التعبير عنه بصوتٍ مسموع.


اقتربتُ منه بحذرٍ عميق، شاعرةً بنبض الخوف وهو يتصاعد في قلبه الصغير. أطلّ بياض ريشه الناعم من بين هزّات جسده الواهن، فمددتُ يدي نحوه بلطفٍ لا يخلو من القلق. رفعتُ أصابعي بخفةٍ وهمستُ له: “لا تخف، إنّي أريد أن أساعدك.” لمحتُ عينيه المتسائلتين اللتين توسّلتا دفء الطمأنينة.


عندما مسدتُ ريشه بحنو، شعرتُ بأنفاسه تهدأ شيئًا فشيئًا؛ وكأنّ كلمةً غير منطوقة بيننا نجحت في تبديد الحواجز. إذ ذاك، رأيتُ موضع جرحٍ نازفٍ في جانبه، علامةً على صراعٍ خاضه وحده بين الأغصان المتشابكة والأعشاش المتساقطة. تململت نظراته أول الأمر، لكنّه ما لبث أن استسلم لسكوني وهدوئي.


بدأتُ أنظّف جرحه وأداويه بما تيسّر من منديلٍ وماءٍ عذبٍ، بينما بقي يحملق في وجهي، وكأنّه يتساءل: “هل ستعيدين لي جناحي اللذين هزمهما الألم؟” في تلك اللحظات، شعرتُ بوهجٍ دافئٍ يسري في صدري، كأنّي أشارك هذا الكائن الرقيق نبضه وخوفه، فيولد بيننا عهدٌ من الأمان.


وما إن انتهيتُ من تضميد جرحه، حتى أخفض رأسه إلى صدري مطلقًا زقزقةً خافتة، كأنّما يشكرني أو يطلب مزيدًا من الطمأنينة. تلك اللحظة أوحت لي بأنّ مخلوقات الأرض جميعها تفهم لغة المشاعر، وأنّ اللمسة الحانية قد تعيد النبض لما نظنّه قد خبا أو أوشك على الانكسار. وكما رأبتُ صدع جناحه الصغير، شعرتُ أنّ روحي هي الأخرى تبرأ من جروحٍ لا مرئية، وكأنّ العطاء دواءٌ لصاحبه قبل من منحه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة