صرخة صمت
في زاوية معزولة من الروح، هناك صرخة لا يسمعها أحد. صرخة بلا صوت، كأنها تنهيدة اختنقت في منتصف الطريق. هي ليست صرخة ألم، بل صرخة روح أرهقها الصمت الطويل، صرخة تسكن داخلنا، لكنها ترتجف، تنتظر أن تجد لها منفذًا لتخرج، لتُقال.
في كل صمتٍ حكاية، وفي كل حكاية بقايا كلمات ابتلعتها الليالي. الصمت ليس ضعفًا، بل قوة تحتضن ما لا تستطيع الكلمات التعبير عنه. هو حديثنا مع أنفسنا حين نعجز عن شرح ما نشعر به، حين تخذلنا الحروف وتغيب المعاني.
تلك الصرخة المخبأة خلف الملامح الهادئة ليست إلا رغبة في الانعتاق، في الحرية. رغبة في أن يُسمَع ما لا يُقال، أن تُفهم النظرات دون شرح، أن يُحتضن الصمت كأنه حديث طويل لا ينتهي.
وفي لحظة ما، تصبح الصرخة مرآة لما في داخلنا: وجع، شوق، أمنية معلقة في الهواء. لكن رغم كل ذلك، يبقى للصمت لغة لا يفهمها سوى من اختبر السكون الذي يعصف بالقلب.
إنها ليست صرخة تطلب النجدة، بل صرخة تطلب الإصغاء… للروح، للضعف، للحقيقة التي نخفيها وراء أقنعة القوة. الصمت أحيانًا هو أقوى صرخة، لأن فيه الحقيقة عارية، بلا زخارف.
وعندما يحين الوقت، عندما يتجرأ الصمت على أن ينطق، حينها فقط تنكشف السماء، ويتحرر القلب من عبء الكلمات غير المنطوقة، ليعود الصوت إلى الروح، وتصبح الصرخة حديثًا يسمعه الجميع.
لكن ماذا لو بقيت الصرخة حبيسة الصمت؟ ماذا لو خاف الصوت أن يجرح سكون العالم، أو أن تُقابل الحقيقة بالنكران؟
حينها، يتحول الصمت إلى صديق وفيّ، يحتضن كل ما تعجز الروح عن البوح به. يصبح ملاذًا، ملجأً نخفي فيه آلامنا، ونخبئ فيه أحلامًا لم تجد من يؤمن بها. لكن الصمت أيضًا وزنٌ ثقيل، عبءٌ يضغط على القلب كلما تأخر في الانفجار.
قد تكون صرخة الصمت رسائل مكتوبة على جدران الروح، لا يقرؤها سوى من يملك بصيرة عميقة. وربما تكون دعوة للسلام الداخلي، لنفهم أن الصمت أحيانًا لا يعني الاستسلام، بل يعني أننا ننتظر اللحظة المناسبة لنُقال.
هناك جمال غريب في صرخة الصمت، لأنها تروي ما لا تستطيع آلاف الكلمات وصفه. هي الحكاية التي لم تُكتب، الأغنية التي لم تُغنَّ، والدمعة التي لم تنزل.
لكننا، في أعماقنا، نعرف أن الصمت لن يدوم إلى الأبد. سيأتي يومٌ، يوم تتشقق فيه الجدران، ويخرج الصوت كطائرٍ ظل حبيس قفصه لسنوات. سيصرخ القلب بكل ما كتمه، وسيعرف العالم حينها أن في الصمت كانت حياة، وأن في الصرخة وعودًا جديدة، تبدأ من حيث انتهى الألم.
لذلك، إذا كنت تحمل صرخة صمتك، لا تخف. دَعها تكبر داخلك حتى تصبح نورًا، ودَعها تملأ أفقك، حتى حين تُقال، تكون ميلادًا جديدًا، لك ولروحك التي عاشت طويلًا تنتظر الإنصات.
تعليقات
إرسال تعليق