ماذا لو؟
في ليلة شتوية باردة، حيث كان كل شيء يغرق في سكون المدينة، جلس وحيدًا في غرفته الصغيرة التي كانت تحمل بين جدرانها صراعاته وأفكاره التي لا تهدأ. كان بين يديه كتاب قديم، لكنه لم يقرأه، بل كان يحدق في الصفحات كمن يبحث عن شيء مفقود، عن إجابة لما يعكر ذهنه. كان الكتاب أشبه بمرآة تعكس له حياته، التي اتسمت بالأسئلة التي لم تُجب، والقرارات التي لم تُتخذ، والأحلام التي بقيت حبيسة.
“ماذا لو؟”
كان السؤال يطارد ذهنه، يعبث بكل أفكاره ويؤرقه.
ماذا لو اختار يومًا آخر طريقًا مختلفًا عند مفترق الطرق؟
ماذا لو كان قد تكلم بما كان يخفيه قلبه؟
ماذا لو كان قد أخذ خطوة نحو مغامرة كانت ستغير كل شيء؟
بينما كان يغرق في أفكاره، اكتشف شيئًا غريبًا. في الزاوية المظلمة من الغرفة، ظهر باب لم يكن موجودًا من قبل. كان يبدو قديمًا، خشبيًا، محاطًا بنقوش غامضة وكأن الزمن نفسه قد مر عليه. لم يكن هناك تفسير منطقي لظهوره، ولكن شعورًا غامضًا دفعه للقيام بخطوة نحوه.
مد يده وفتح الباب بحذر، ليجد نفسه في ممر طويل مظلم، تضيئه مصابيح خافتة. على جانبي الممر، كانت هناك أبواب كثيرة، كل باب يحمل رمزًا غريبًا. لم يكن هناك أي إشارات تشرح ما وراء كل باب، ولكن، بطريقة ما، شعر أنه يعرف أن كل باب يمثل اختيارًا مفقودًا، قرارًا لم يتخذ، أو فرصة ضاعت.
فتح الباب الأول بحذر. داخل الغرفة، كانت هناك صورة لنفسه في أيام شبابه، جالسًا في مكتب صغير، مشغولًا برسم أحلامه، مستغرقًا في الأمل الذي كان يملأ قلبه. لكن، بينما كان يراقب نفسه، أدرك أنه ترك هذا الحلم وراءه، ليس بسبب هزيمة، بل بسبب ظروف لم يكن قادرًا على تحديها حينها. كان القرار قاسيًا، لكنه كان حتميًا.
عاد إلى الممر، وفتح بابًا آخر. في هذه الغرفة، وجد نفسه يقف أمام شخص كان يعني له الكثير. كانت تلك اللحظة التي كان قلبه يخفق فيها بشدة، وكان يواجه صمتًا بدلاً من الاعتراف بمشاعره. في تلك الغرفة، قرر أن يقول كل ما كان قد أخفاه. رأى الفرح في عيني الشخص الآخر، ولكنه رأى أيضًا ثقل المسؤوليات التي كان سيواجهها.
فتح بابًا آخر، ثم آخر، وكل باب كان يعيده إلى لحظات ماضية، إلى قراراته التي اتخذها أو التي لم يتخذها، إلى تلك الفرص التي لم يقتنصها. وفي كل غرفة، كان يجد جزءًا منه مفقودًا، لكن أيضًا كان يجد ما تعلمه من تلك اللحظات.
عندما عاد إلى الممر، شعر بشيء غريب: لم يكن هناك ألم بعد الآن. كان يسير في الممر وكأن الأسئلة التي كانت تلاحقه قد بدأت تتلاشى. أدرك فجأة أن لا وجود للعيش في الماضي. تلك الأبواب، على الرغم من أنها كانت تمثل اختياراته الضائعة، كانت تُمثل أيضًا تجربته ونضجه.
نظر أخيرًا إلى الباب الذي دخل منه، فوجد أنه اختفى، وكأن عالمه قد تغير. لم يهمه الأمر، لأنه الآن كان يعلم شيئًا هامًا: الماضي ليس حتميًا، وليس هو ما يحدد من نحن أو إلى أين نذهب.
أصبح مستعدًا لمواجهة المستقبل، حيث تنتظره أبواب جديدة، خيارات جديدة، وحياة لم يعشها بعد.
تعليقات
إرسال تعليق